لا بأس

أستيقظ متأخرًا…تبًا، لقد نمت كثيرًا الليلة الماضية، مع ذلك لم أستطع الذهاب للداوم اليومي..ذلك الدوام الذي يقتل في المرء كلّ شيءٍ حيّ..
أنظر من النافذة، طلاب جامعيون، شبّان وفتيات يتبادلون أطراف الحديث. أدخن السيجارة الأولى، لا أريد أن تفوح الرائحة في المنزل، لذلك لا بد من التدخين على إطار النافذة…صاحبة المنزل أصرت، تبًا لها على كلّ حال، هي لا تملك أن تمنعني من قتل نفسي ببطء بواسطة هذه السجائر الجميلة..


أسعل بشدة، تبًا، يبدو أنني كبرت فعلًا…هل يجب عليّ فعلًا أن أبقى هنا؟
أفتح هاتفي النقال، أنظر إلى صورتك، أفتقدك..لكن لا بأس..

أريد أن أكتب، لا أستطيع، سأذهب إلى النادي الرياضي، نعم يا صديق، النادي الرياضي مفيد جدًا بعد 23 سيجارة صباحية..أصمد 56 دقيقةً هناك، ثم أعود إلى المنزل، أشتري علبةً من التونة، أفتحها وحيدًا وأجلس أمام شاشة الحاسوب لأشاهد الكوميديا…هل تعرف أن رائحة التونة قوية جدًا، حتى أنّ قطط دان تبدأ بالنواء عندما أفتح العلبة؟

أفتقدك بشدة

أخرج السيجارة الرابعة والعشرين لهذا اليوم، أدخنها بشراهة، أنا جائع حقًا، أنظر إلى علبة الويسكي المرصوفة في الثلاجة…لا ليس اليوم، ربما أذهب غدًا إلى المشفى، لا أريد الذهاب ثملًا..
أجلس على طاولة المطبخ، أنظر إلى الضوء…الدوار يذبحني…اكتشفت مؤخرًا أنني مصاب ب”الحول” وربما أحتاج معالجة منه…لا بأس..

أفتح الهاتف مرةً أخرى، تتصل بي صاحبة المنزل وتسألني عن خطتي لنهاية الأسبوع، ما الذي سأتناوله على الغذاء..تبًا لكِ، هل يجب أن تذكريني بوحدتي ؟

“عليك أن تتزوج امرأة تتقن الطبخ، وإلا ستموتان من الجوع معًا…أو تتعلمان معًا ! ”
“هههه، لا لا، سأكتفي بمراقبتها وهي تتعلم لوحدها، بينما أقوم أنا بتدخين..احمم..بينما أقوم أنا بإعداد السلطة! ”

تطبيقات المواعدة على هاتفي تتجاوز الخمسة تطبيقات، كلّ هؤلاء الجميلات يبحثن عن حبيب حقًا!! كيف؟؟ ولماذا لا يخترنني؟ تبًا لهن..لا بأس

أنظر إلى الكتاب الملقي على الأرض، أجلس هناك، أتمدد وأنظر إلى سقف الغرفة الأبيض، الدوار يعود من جديد…أريد أن أموت حقًا…لكن لا بأس..

قال لي يومًا “ستموت وحيدًا، ولن يجدك جيرانك إلا بعد حين..” بعد أن نظر في فنجاني، ابتسمت وقلت له “لكنّي لن أعيش وحيدًا أبدًا!” نظر إليّ وقال “ستعرف ذلك بعد سنةٍ من الآن..”
كان ذلك منذ سبع سنوات، وقد كان محقًا فعلًا…ترتجف يداي..تبًا..لا حليب في الثلاجة اليوم، لا جبنة، والكالسيوم في دمي منخفض…أستلقي..أمسك الحاسوب، وأكتب من جديد، مستمعًا إلى أرماند أمر الفرنسي وموسيقاه.. سأكتب…”لا بأس

 

الإعلانات

الأحمر يطغى على كلّ شيء

يقول تو فو “دخان الحرب أزرق، بيضاء عظام البشر”

هذا التباين بين لونين هادئين كان غريبًا جدًا، لماذا أزرق؟ لماذا يا تو فو؟ دخان الحرب ..أنقاض المباني تمتزج بالدماء والغبار الرمادي الأبيض المتطاير، الموت القادم من السماء، تو فو، هل كنت لتصدق ماذا فعلنا؟ لقد اخترعنا طرقًا جديدةً للموت يا تو فو، لقد اخترعنا طرقًا جديدةً لتعذيب بعضنا، دقيقة واحدة، ربما الوضع عندكم سيء في الصين، لكن صدقني ليس بمثل السوء الذي نواجهه نحن..صديقي صدقني، أنتم ستصلون إلى المريخ قريبًا، الكوكب الأحمر! تصوّر؟ أنتم وماسك تتسابقون للوصول إلى السماء ونحن نصبغ هذا الكوكب باللون الأحمر. آه نعم، نحن نصبغ هذا الفضاء الافتراضي باللون الأحمر، كي “ننشر” خبر موتنا بطريقةٍ مؤدبة. نحن نموت كلّ يومٍ يا تو فو…أتذكر؟ يقول بولص أنّك بدأت بالتيه في العشرين، وأنّ الحرب وأوزارها تبعتك في كل مكان، هل تبعتك كهذه الحرب؟

تو فو، لم يكن الخبر عندكم سريع الانتشار كما هو الآن، تخيّل: الناس في الصين وأمريكا تعرف ما الذي يحدث في الشرق الأوسط، أو تعرف مالذي يحدث؟ إنّهم يغيرون صور صفحاتهم الشخصيّة ويشجبون الذي حصل..أنا لست بأفضل، أنا أكتب عن الموت، أكتب عن الدماء التي أحسّ بطعمها المرّ في فمي، أكتب وأشاهد صورًا لن أنشرها، ليس لأني “أخاف” على حساسية من يتابعني لكن  لأني لا أستطيع أن أنظر إليها مرةً أخرى وأبقى حيًّا ولا أفكر في إنهاء كلّ شيء..

تو فو، إنّهم يحصلون على جوائز لتصوير موتنا ، هل تصدق؟ ربما فيما بعد يخرج كتاب مصوّر بعنوان” مئة طريقة وطريقة للموت” الضعف يا تو فو صعب.. كيف استطعت أن تنجو يا تو فو وتبقى حيًا؟

اليوم لم يُنادى للصلاة في حلب، ربما يكون ذلك شيئًا عظيمًا، لكنّي لا أعتقد أنّ الله يحاسب هؤلاء الذين يموتون إن “أقاموا الصلاة” أو لم يقيموها..

الكثيرون ماتوا، الكثيرون يا تو فو، أطباء، أطفال، رجال، نساء، شيوخ..عجائز، الموت لا يفرق يا تو فو..الموت عادل..الموت القادم من السماء، الموت الذي أسكت المآذن، هل تعرف يا توفو أنّ صوت المآذن أكثر أهميّة من دماء البشر؟ هناك أحاديث كثيرة يا تو فو في “الإسلام” تقول إنّ حرمة دم الإنسان أعظم من هدم حجار الكعبة، وجهة المسلمين في صلاتهم…

 

فقدنا إنسانيتنا يا تو فو، فقدناها كاملةً، نحن مجرّد كائنات تتحرك بلا هدفٍ ولا معنى..منطقتنا ميتة كلها، أو تعرف يا تو فو؟ “التنين الأحمر إلى الكوكب الأحمر” هو تقرير كنت أعمل عليه البارحة وأنظر إلى صور الدماء، لم أستطع أن أكبت ضحكاتي ودموعي يا تو فو، كل ذلك الاختلاف، هم ونحن يا تو فو، حتى أنتم! أنتم الشرقيون مثلنا! وصلتم إلى القمر ونحن وصلنا للحضيض.

لا أعرف لما أكتب، لا أعرف حقًا، ربما هذا كلّه يعدّ ثرثرةً، ثرثرة ميّت حيّ، تو فو، هل كان لديك أخٌ عزيز اختفى؟ اليوم ذكرى اختفاء أخي العزيز للسنة الثالثة، لقد حماني من نفسي العديد من المرات، لقد بكينا معًا وصلينا معًا ثم افترقنا…أخذتني الدنيا كما أخذتك، أدور وأبحث عن منفى، ليلفظني كلّ منها إلى الآخر.

دخان الحرب أزرق، بيضاء عظام البشر، ذلك اللون الأبيض المقيت…اختلطت العظام كلّها سويًا يا تو فو..كلّها..

ونفذ صبري..

اتمنى الموت ولست بأهله..ونار جهنم تصلى و تكوي جلود من كانو لله عصاة…ويا خوفي أن أكون لربي مخالفاً فيا ربي هون علي من أمري..فروحي عجلت و تأبى البقاء في جسدي و صبري الطويل قد نفذ و في عيني دمع وقلبي مكسور.. قد كان لي في فراق أهلي مصيبة وفي فراق بلدي مصائب أيا رباه يسر لي أمري ولا تحرمني … من موت يخلصني ..,و إن كنت خاطئاً فأغفر لي فأنت واسع الرحمة بعبدك التعب وخلصني وأخلصني..