لم أكن أظنّ أبدًا !


غريبةٌ هي الحياة، دائمًا هناك الجديد، دائمًا يحدث غير المُتوقّع، رغم أن كلّ ما يحدث وسيحدث يقع ضمن مجموعة احتمالات لا نهائيّة، إلّا أنّ الحياة تأبى إلا أن تفاجئك بغرابة ما يحدث.
لم أكن أظنّ يومًا أنني سأغادر منزلي العزيز قبل تخرّجي و “زواجي” أو سفري للاختصاص خارجًا، لم أكن أظنّ أني سأغادر وطني أيضًا.. في تلك اللحظة تحديدًا بدأت الحياة تأخذ المنعطف الذي لم أتوقّعه أبدًا.

لم أتوقع يومًا أن أصعد أعلى برجٍ في العالم وأشاهد العالم يلتمع ويضيء في الأسفل وأكون “بين .الأرض والسماء” على ارتفاع شاهق، وكل شيء يبدو متناهي الصفر
لم أظنّ أبدًا أن أصبح من أولئك الذين كنت أهزأ منهم، أولئك الذين يشربون نوعًا محددًا من القهوة ويخبرونك عن طعمها السحري الفارق عن أي قهوة أخرى، لكن لم أختر Starbucks بل كان خياري غريبًا نوعًا ما، المقابل الكندي – الأرخص سعرًا- Tim Hortons، والذي بحقّ أصبحت مدمنًا عليها لمدة طويلة، هل هي موجودة في مصر؟ أخبرني إن كنت تعرف عزيزي القارئ!

A cup of Tim Hortons Inc. coffee and doughnuts are arranged for a photograph in Toronto, Ontario, Canada, on Wednesday, Aug. 3, 2011. Tim Hortons Inc. is a chain of franchise fast food restaurants that serve coffee drinks, tea, soups, sandwiches, donuts, bagels, and pastries. Photographer: Brent Lewin/Bloomberg via Getty Images

متابعة قراءة لم أكن أظنّ أبدًا !

جزئية 2

يفتح عينيه المتعبتين على مضض، ينظر إلى الساعة على معصمه، إنها الساعة الواحدة ظهراً، عليه أن يكون في المشفى بعد ساعة واحدة.
يغتسل بالماء الباردة، الغاز مكلّف هذه الأيّام، يرتدي ملابس الأمس نفسها، ليس له رغبة في تغيير مظهره مرة أخرى. ينظر إلى المرآة، يسّرح شعر رأسه، ينظر إلى الشعر الأبيض المتناثر، يبتسم.. “هرمنا، ومازلنا تحت الصفر.”
يحمل معطفه الأبيض “المجعلك” كما يحبّه، يضع السماعات في أذنيه ويخرج. يسمع صوتها، هو لا يسمع الأغاني العربيّة إلا نادراً، لا يعرف لماذا.
كانت الأغنية عن الفلسطينين ووضعهم، لكن في هذا العصر، كلنا واحد..فلسطينيون ..سوريون..أو أيّا ما كان لون جواز سفرك الذي يقيّدك.

متابعة قراءة جزئية 2

في تيرا بنوب؟!

 32494_660_-

حاملاً “أولاد حارتنا” بيدي، انطلقت في طريقي لبلدة بعيدة عن طنطا، لم أعرف اسمها، ومن مكرو باصٍِ إلى آخر حتى وصلت إلى المحطة النهائية، الشخص الذي يفترض أن ألقاه هناك مجهول بالنسبة لي، تكلمت معه مرتين بالهاتف ورأيته مرة منذ سنة في بلاد أخرى غير هذه البلاد. بدأت الأمطار تهطل بغزارة، خبّأت الرواية التي التهمت ربعها قراءة، من العجيب كيف يسحبك محفوظ لا تستطيع أن تقرأ خمسين صفحة وتقف؛ كل مئة صفحة معاً!
أحبّ المشي تحت المطر، وفي البرد، في ذلك الشارع وحيداً، يحمل المطر كثيراً من الذكريات، بعضها أليم والآخر مفرح…
يرّن الهاتف، يقول لي أنا أمامك، أنظر في العتمة إلى الأمام لأجد ذلك الرجل، أصافحه ثم يأخذني بيده ويعرفني على عائلته في المنزل الدافئ، لا أعرف إن كان ذلك تأثير محفوظ، إلا أنني أحسست بشخصيات القصة تقفز من الكتاب وتصافحني، الجد الكبير وأبناؤه والأحفاد الصغار، الكل كان بشوشاً، الدفء يعمّ وجههم الفرحة.
لم يرضَ مضيفي أن أخرج قبل أن أتناول العشاء معه، ولكي يكون اليوم مميزاً، كانت الوجبة بطاً.
لا يختلف طعم البطّ عن الدجاج إلا قليلاً، ربما أطرى وألذّ! وتحدثنا عن مصر وعن البلدة الصغيرة ذات الاسم العجيب “تورا بنوب” أو هكذا سمعته وفهمته في النهاية!
الناس في هذا البلد طيبون. هذا ما كنت أفكر به وأنا أحتسي كوب الشاي مع الرجل وأهمّ بالمغادرة..
أعطاني ما جئت من أجله، وأعطاني أكثر، أحياناً كلمات من شخص غريب تجعل يومك أكثر جمالاً.
شكراً لك.

في معرض الكتاب

المشهد الأول
يبدأ اليوم بمحاولتي الذهاب لتجديد الإقامة مجدداً، بعد الوصول إلى مقر الجوازات وجدت رجلاً عجوزاً، في الستينات من عمره، جالساً يحتسي كأساً من الشاي ويتناول قطعة من الحلوى، والتي علمت فيما بعد أنّها من تقدمة الموظفة المسؤولة في الجوزات.
رأيت الموظفة البسيطة، تنظر إليه وتبتسم وبينما تبحث عن إقامتي وجدت الورقة المطلوبة له “ياعم، إقامتك موجودة هنا ثواني وأجيب هالك” ثم طلبت مني بلطف شديد أن أصور جواز الحاج لأنه كبير ومتعب ..قمت بذلك وعدت، جهزت له جوازه وأعطته إياه.
“اديش طلع علي يابنتي”
“امشي ياحج، كان عندي دمغة زايدة ودمغتهالك”
“بس أنتي دفعتي من جيبتك هيك، ما بيصير” يقولها الشيخ والكلام يختنق في حنجرته..
تبتسم في وجهه “الله يقويك ياحج وتيجي بعد تلات سنين ونجددهالك مرة تانية”

المشهد الثاني
أنا وطارق أمام معرض الكتاب، هناك طابور، لا يقلّ عن 1500 شخص. السؤال ما هذا الطابور؟
توصلنا لعرفة أن هذا الطابور عبارة عن طابور لدخول المعرض، وكان يتحرك بمقدار شخص كل ثلاث دقائق.
قمنّا بالدوران حول المعرض والتوّجه للباب الثاني، والذي مشينا حوالي العشرين دقيقة ثم وصلنا لنجد حوالي الألف شخصاً هناك.
تسلل طارق وأمسك بيدي وأخذ يمشي بسرعة حتى وصلنا إلى الباب، ولا أعرف كيف تسللنا بسهولة لنصبح أمام الباب مباشرةً ( بعد أن دخلنا قال طارق لي : “ماعرفت كيف ضليت ساكت وقلت ما بيصير لازم نوقف عالدور)

المشهد الثالث
ندخل إلى دار نشر للكتب، تبدو دينية بشكل بحت (دار كتب خاصة للمصاحف وكتب والحديث والتفاسير) دخل طارق بكل سلاسة وسأله البائع ذو الستين عاماً بصوت مرتفع ونبرة حادة “عايز ايه؟ ممكن أساعدك؟”
“عندكو الكوميديا الإلهية؟”
نظر الرجل بنظرة اشمئزاز والشرر يقدّح من عينيه “الايه؟ بتاعة مين دي؟ مين ال****** كاتبها؟”
هربنا بهدوء أنا والأخ طارق لنتابع مشينا في معرض الكتاب، نبحث عن دار أجيال، التي لم نتمكن من الوصول إليها بسهولة. وحاولت أن أجد مكان تجمع فريق موقع أبجد للقاء المؤسسة، إيمان حيلوز، لكن باءت محاولتي بالفشل أيضاً.
رأيّي الخاص بالمعرض :لم يعجبني أبداً، لا كإنتاج ولا كتنظيم ولا توقيت ولا كمكان..فقط لاغير…ولا كأسعار!(هناك قصة غير مرويّة، عن غابريل غارسيا ماركيز اسمها “مائة عام من العزلة بين الأزبكية ومعرض الكتاب)

المشهد الرابع (مشهد استراجعي)
للوصول إلى أرض المعارض تستطيع استخدام المترو الجديد، نزلنا وركبنا في هذا الاختراع، النظيف! والجميل! ثم لمحت عيناي أسماء المحطات، كيت كات، إمبابة، وغيرها!
ينظر طارق إلي عندما أقول له “كيت كات”، ويقول “يعني ما في جيلي بينزززز”*
وأقول بشكل بسيط “ليش إم بابا؟ ليش مو تيته مسلن؟”* وضحكنا حتى أتخمنا.**

ملاحظات:
-الرجل في دار الكتب لم يتكلم بأي كلام مسيء، لكن الإحساس كان واصل بالتشفيرات دي (******)
* : تفريس
** : لها قصة أخرى لا أستطيع ذكرها الآن، لعلّنا لا نصاب باليرقان بعدها.