كيف كانت تجربتك في العيش بمصر؟

مصر.

لم أعتقد أبدًا بقدرتي على مغادرة سوريا والسفر، ناهيك عن الاغتراب نحو ثمانية سنوات، قضيت نصفها في مصر.

مصر استقبلتنا نحن السوريون، وسمحت لنا بمتابعة دراستنا مجانًا وفي نفس العام الذي تركنا فيه الدراسة. فقدت الأمل تمامًا من متابعة الدراسة في مجال الطب في 2012، لكن وبعد مراسلة صديقي أنس شحرور وبتوصية من سميح البحرة، وجدت مقعدًا يسمح لي بمتابعة التعليم في مصر، في طنطا، مجانًا. كان لا بد من إعادة دراسة بعض المواد بسبب اختلاف المناهج التعليمية، لكن في النهاية وصلت إلى هدفي، التخرج من كلية الطب البشري. أدين لمصر بهذا إلى الأبد، كلّ مريض أعالجه وكلّ حالة تشغل بالي ليلًا لم تكن لتتحقق دون مصر.

في البداية كان الأمر صعبًا، الحياة في مصر مختلفة، أنت تتعامل مع 90 مليون شخص مختلف، لا يمكن جمعهم في بوتقة واحدة أبدًا. الأوراق والتصديقات المختلفة، قضينا الكثير من الوقت لإتمامها، صدقًا الأمر لا يختلف عن مثيله هنا في ألمانيا والغرب.

في الجامعة كان الأساتذة مختلفين عن أساتذتي في دمشق، هنا في الغربية في طنطا، كان بإمكاني الجلوس مع البروفسور والتحدث معه وكان يعتبرني زميلًا له. لا أعرف سبب الاختلاف هذا، في دمشق كان عدد قليل جدًا جدًا من الأساتذة قادرين على التعامل مع الطلاب كزملاء وليس كأكياس خلايا عصبيّة أمامهم.

المرضى الجميلون، الشعب البسيط الصابر الذي يبتسم رغم كلّ شيء. أصدقائي الذين بسببهم استطعت الكتابة بشكلٍ مهني لأول مرة. النقاشات الثقافية والاختلافات، بين المسيري وراسل، لقائي القصير بأحمد خالد توفيق، الكثير من الذكريات الجميلة.

المصريون أحبونا وسمحوا لنا بالوجود في حرية، اذهب إلى ستة أكتوبر في القاهرة وانظر بعينك.

أتمنى أن أزور مصر مرة أخرى، أحتاج فيزا كالعادة، لكن من يدري ؟

أحببت مصر، وسأكون شاكرًا لها مدى حياتي.

بعض ما كتبته عن مصر:
أم الدنيا..البداية – فرزت

في رحاب الإسكندرية – فرزت

أم الدنيا- فرع طنطا ! – فرزت

المعذّبون في الأرض – فرزت

تلبنت قيصر، ووكوك – فرزت

تيرابنوب؟ الرحلة الثانية! – فرزت

من طنطا إلى القاهرة – فرزت

لم أكن أظنّ أبدًا !


غريبةٌ هي الحياة، دائمًا هناك الجديد، دائمًا يحدث غير المُتوقّع، رغم أن كلّ ما يحدث وسيحدث يقع ضمن مجموعة احتمالات لا نهائيّة، إلّا أنّ الحياة تأبى إلا أن تفاجئك بغرابة ما يحدث.
لم أكن أظنّ يومًا أنني سأغادر منزلي العزيز قبل تخرّجي و “زواجي” أو سفري للاختصاص خارجًا، لم أكن أظنّ أني سأغادر وطني أيضًا.. في تلك اللحظة تحديدًا بدأت الحياة تأخذ المنعطف الذي لم أتوقّعه أبدًا.

لم أتوقع يومًا أن أصعد أعلى برجٍ في العالم وأشاهد العالم يلتمع ويضيء في الأسفل وأكون “بين .الأرض والسماء” على ارتفاع شاهق، وكل شيء يبدو متناهي الصفر
لم أظنّ أبدًا أن أصبح من أولئك الذين كنت أهزأ منهم، أولئك الذين يشربون نوعًا محددًا من القهوة ويخبرونك عن طعمها السحري الفارق عن أي قهوة أخرى، لكن لم أختر Starbucks بل كان خياري غريبًا نوعًا ما، المقابل الكندي – الأرخص سعرًا- Tim Hortons، والذي بحقّ أصبحت مدمنًا عليها لمدة طويلة، هل هي موجودة في مصر؟ أخبرني إن كنت تعرف عزيزي القارئ!

A cup of Tim Hortons Inc. coffee and doughnuts are arranged for a photograph in Toronto, Ontario, Canada, on Wednesday, Aug. 3, 2011. Tim Hortons Inc. is a chain of franchise fast food restaurants that serve coffee drinks, tea, soups, sandwiches, donuts, bagels, and pastries. Photographer: Brent Lewin/Bloomberg via Getty Images

متابعة قراءة لم أكن أظنّ أبدًا !

جزئية 2

يفتح عينيه المتعبتين على مضض، ينظر إلى الساعة على معصمه، إنها الساعة الواحدة ظهراً، عليه أن يكون في المشفى بعد ساعة واحدة.
يغتسل بالماء الباردة، الغاز مكلّف هذه الأيّام، يرتدي ملابس الأمس نفسها، ليس له رغبة في تغيير مظهره مرة أخرى. ينظر إلى المرآة، يسّرح شعر رأسه، ينظر إلى الشعر الأبيض المتناثر، يبتسم.. “هرمنا، ومازلنا تحت الصفر.”
يحمل معطفه الأبيض “المجعلك” كما يحبّه، يضع السماعات في أذنيه ويخرج. يسمع صوتها، هو لا يسمع الأغاني العربيّة إلا نادراً، لا يعرف لماذا.
كانت الأغنية عن الفلسطينين ووضعهم، لكن في هذا العصر، كلنا واحد..فلسطينيون ..سوريون..أو أيّا ما كان لون جواز سفرك الذي يقيّدك.

متابعة قراءة جزئية 2

في تيرا بنوب؟!

 32494_660_-

حاملاً “أولاد حارتنا” بيدي، انطلقت في طريقي لبلدة بعيدة عن طنطا، لم أعرف اسمها، ومن مكرو باصٍِ إلى آخر حتى وصلت إلى المحطة النهائية، الشخص الذي يفترض أن ألقاه هناك مجهول بالنسبة لي، تكلمت معه مرتين بالهاتف ورأيته مرة منذ سنة في بلاد أخرى غير هذه البلاد. بدأت الأمطار تهطل بغزارة، خبّأت الرواية التي التهمت ربعها قراءة، من العجيب كيف يسحبك محفوظ لا تستطيع أن تقرأ خمسين صفحة وتقف؛ كل مئة صفحة معاً!
أحبّ المشي تحت المطر، وفي البرد، في ذلك الشارع وحيداً، يحمل المطر كثيراً من الذكريات، بعضها أليم والآخر مفرح…
يرّن الهاتف، يقول لي أنا أمامك، أنظر في العتمة إلى الأمام لأجد ذلك الرجل، أصافحه ثم يأخذني بيده ويعرفني على عائلته في المنزل الدافئ، لا أعرف إن كان ذلك تأثير محفوظ، إلا أنني أحسست بشخصيات القصة تقفز من الكتاب وتصافحني، الجد الكبير وأبناؤه والأحفاد الصغار، الكل كان بشوشاً، الدفء يعمّ وجههم الفرحة.
لم يرضَ مضيفي أن أخرج قبل أن أتناول العشاء معه، ولكي يكون اليوم مميزاً، كانت الوجبة بطاً.
لا يختلف طعم البطّ عن الدجاج إلا قليلاً، ربما أطرى وألذّ! وتحدثنا عن مصر وعن البلدة الصغيرة ذات الاسم العجيب “تورا بنوب” أو هكذا سمعته وفهمته في النهاية!
الناس في هذا البلد طيبون. هذا ما كنت أفكر به وأنا أحتسي كوب الشاي مع الرجل وأهمّ بالمغادرة..
أعطاني ما جئت من أجله، وأعطاني أكثر، أحياناً كلمات من شخص غريب تجعل يومك أكثر جمالاً.
شكراً لك.