بين الشوكولا البيضاء ودين مارتن

كانت تنتظره في مطعمٍ إيطالي، على زاوية بين شارعيين رئيسين في بلدته، رغم ذلك كانت هي هناك قبله مرتديةً قميصها الزهريّ اللون وبزّتها السوداء. أزالت نظاراتها وألقت بها على الطاولة، متيحة لعينيها الراحة والتجول في أنحاء المطعم الذي دُشنّ لأول مرة منذ مئة عام تقريبًا ، أو هكذا تقول اللوحة قرب النافذة الموجودة على يمين طاولتها. كان المكان مريحًا ودافئًا، كالمنزل. في الخلفية كانت هناك الكثير من زجاجات الويسكي والفودكا، هي لا تشربها ولا تحبّها بعكسه تمامًا. كانت تفكر.

تحسّ بلمسة باردة، تغطي عينيها يدان باردتنا، قبلة صغيرة على خدّها الأيسر. تمسك يدها وتنزعها عن عينيها. يجلس قبالتها ويبتسم. كالعادة كان متأخرًا، يخرج هاتفيه من جيبه ويضعهما على الطاولة، هي تكره هواتفه، كأنها ضرائرها.
نادى النادل وطلب طبقًا من اللازنيا ، وطلبت هي قطعة دجاج.
“نحن في مطعم إيطالي وتطلبين الدجاج؟ يبدو أنّ خلفيتك المطبخيّة سيئة للغاية يا عزيزتي، ألم تكوني نباتيّة حتى؟ ”
تضحك وتهز رأسها، تخبره أنّها تحب البيتزا، لكن ليس اليوم..
تحدثا عن أخبار الصحيفة التي يعمل بها، وآخر الأخبار التي غطاها هو، وحدثته هي عن مرضاها الجدد وصعوبة الحالات التي تأتيها، الأمراض الحركيّة العضليّة وغيرها من الـأمراض المملة التي لا يحب أن يستمع لها.

انتهى من طعامه كالعادة قبلها، يرن هاتفه، تبًا لهذه التقنية !

يخرجان معًا  ويتوجهان بعد ذلك للمقهى المجاور، يحتسيان معًا القهوة، ذوقه غريب، هو يحب أن يحتسي الشوكولا البيضاء، هي تشرب القهوة السوداء دائمُا. تنظر إلى عينيه السودواتين، تبرقان دومًا أملًا وحبًا، هو لا يحب شعره الأشعث المجعّد، هي تعشقه وتحبّ أن تضع يدها لتتخلله..

يستأذنها ليدخن خارجًا، هو لم يترك هذه العادة أبدًا، يدخن الغليون معتقدًا أنّه شيرلوك هولمز..تبتسم هي تكره تدخينه فعلًا..
“هل نذهب إلى منزلي؟ إنه قريب من هنا”
يتجهان معًا إلى المنزل، يدخلان غرفة العمل في منزله، مكتب يحيط به الكثير من الخزن، كل خزانة تحوي مئات من الكتب..عن كل شيء…كيف يملك الوقت كلّه؟ تتساءل هي ..
على مكتبه زجاجة خمرٍ معتقة، يتفاخر بأنها صنعت في أوائل القرن الماضي، هي لا تشرب الخمر، لكن لا بأس بكأسٍ صغيرة.

يجلسان سوية، بعد فترة تنتبه أنه أنهى الزجاجة كاملةً، غريب أمره…يمد يده لها، ينادي مساعده الذكي الذي صممه بنفسه، يٌشغل أغان دين مارتين ويبدأن بالرقص على الأنغام الإيطالية، هي لا تجيد الرقص لكنها تكتفي بأن تتبع خطواته.. يضع يدها على خصرها النحيل ويجذبها إليه..يقترب وجهه من وجهها، عيناه تصبحان عالمها الصغير، يطبع قبلةً ناعمة على ثغرها العطش.. يضحكان معًا بعد أن دعست على قدميه أكثر من عشر مرات في دقيقتين.

يجلسان، يضع رأسه في حضنها الدافئ وينظر إليها..يبدء بالحديث دون أن يفكر بالانتهاء، يتحدث عن كلّ شيء..الخمرة بدأت تأخذ مفعولها كما يبدو..

“أين الله يا كاترينا؟ هل يسمعنا؟ هل يرى الموت ؟ انظري كيف يموت الأطفال ونحن نعيش هنا بأمان..تبًا لهذه الدنيا..أحاول في كل مرة أن أغطي هذه الأخبار دون أن أشعر بالأسى، أخبئ كل مشاعري تحت ابتسامة المراسل ومهنيتي، لكنني لا أستطيع أن أنام يا كاترينا..أنا متعب جدًا؟ لماذا الله لا يتدخل !! أجيبني!”
ثم بدأت الدموع تنهار من عينيه بغزراة..لم تعرف ما العمل..”ليس لله دخلٍ بما يحدث يا يوسف، هذا كلّه فعلنا نحن البشر ..نحن المجرمون والضحايا، الله بريء من كلّ هذا القتل..”
“لكن..لكن..لماذا ؟ قضيت طول حياتي مدافعًا عن…” ثم يخمد قليلًا ليعود للبكاء..تقبل هي جبهته وتمسح دموعه…
“توقف يا حبيبي، لا تبكي أرجوك..يوسف..” تتوقف شهقاته المتلاحقة..تمسك يده وتأخذه إلى سريره، تنزع عنه حذاءه وربطه عنقه، تضعه في سريره الرمادي وتغطيه..تُقبّل جبهته الباردة، تمسح دموعه  للمرة الأخيرة…تفّكر..كم هو جميل، لما لا يتزوجان ويعيشان معًا؟ رغم أنّه مجنون ومتكبر، إلّا أنّ قلبه طيب جدًا..
يرنّ هاتفه، تمسك الشاشة المتألقة التي تظهر اسمًا آخر..جوليا؟ هو ما زال يتحدث مع جوليا حتى الآن؟
ألم ينهي علاقته بها منذ أشهر مضت؟ هل ترد على الهاتف؟
تخلع حذائها ذي الكعب العال…ترتمي بقربه، تضع يدها في شعره المجعد الأشعث..تعانقه ..وتغمض عينيها.

 

حقوق الصورة لPetr Kratochvil 

 

ليتني ، مبعثرات مفقودة

ليتني زقزقة عصفور على غصن بجانب نافذتك، فتطربين منه لحنا

ليتني طاولة مكتب لأحمل أوراقك وكلماتك، ولتتكئ ذراعاك علي

ليتني قطة بيضاء ناعمة لأجلس في حضنك الدافئ وتمرري يدك على رأسي بحنان

ليتني أسطوانة موسيقية، تعزف موزارت، لتشعل في قدميك الحماس وترقصين مبتهجة

ليتني كوب قهوة ساخنة.. لأحظى بلمسة شفاهك الوردية، وامنحك الدفء في صباح شتاء بارد

ليتني مرآة في حجرتك لأرى اللؤلؤ المنضوض في ثغرك الجميل

ليتني قبعة صوفية تحضن رأسك وشعرك الحريري وتحميك من برد الشتاء

ليتني معطف تردتينه فيعانق جسدك مانحاً إياكِ الدفء، آخذاً حنان ذراعيك

ليتني خاتم في خنصرك لايفارقك أبداً

ليتني قلم أحمر شفاه، يلامس شفتيك كل يوم، ليطبع لوناً يضجّ بالحياة

ليتني كأس ماء يروي عطشك

ليتني عصفور في قفصك

ليتني كل ما ليتني ……سوا أنا

اليوم الثاني: طالب أم لست طالب هذا هو السؤال!

بعد أن عدت من المحل ونمت في الغرفة العتيقة الصغيرة على الأرض المتعرجة واستيقظنا على صوت الآذان الجميل. قمت بالوضوء بما بقي من قليل الماء وصليت على السجادة الحمراء الصغيرة، بعد أن أصبحت الساعة الثامنة والنصف قال لي الديري أن أستعد للذهاب للمشفى معه ثم للكلية، وافقته مسرعاً فأنا لا أحب أن أظل وحيداً في المنزل!

كانت المشفى قريبة من الكلية وهي من أكبر المشافي التي رأيتها فهي مكونة من ثلاثة مبانٍ ضخمة للباطنة والجراحة والأطفال كان ستاج صديقي (الستاج هو المرحلة التي نقضيها كطلاب طب في المشفى) في الأطفال دخلت معه وكانت مع الصديقة الحلبية ، لم يكن هناك العديد من الطلاب حوالي العشرة فقط، بدأ الطلاب بفحص المرضى الصغار. شاهدتهم وهم يفحصون، لم يكونوا أخذو الباطنة بعد، فقمت بتعلميهم كيف تفحص الصدر! طبعاً أستاذ فاشل!!!

بعد الساعة الحادية عشر ذهبت لمحل عمي في طرابلس، وتمشيت في طرق طرابلس قبل أن أدخل المحل، كنت أمشي في الساحة الخضراء سابقاً ، ساحة الشهداء حالياً، وبينما أمشي وأنظر إلى النوافير الجميلة سمعت صوتاً ينادي “فرزززت” استغربت!!!كيف لصوت أن يعرف اسمي في مدينة غريبة، في بلدة غريبة في مكان غريب لم أعرف فيه أحداً !

متابعة قراءة اليوم الثاني: طالب أم لست طالب هذا هو السؤال!

ليبيا الحرّة؟

أن تذهب بلا عنوان و بلا تهيئة،معتمداً على كلماتٍ فقط،ذلك أكبر خطأ قد يرتكبه إنسان في حياته!

في رحلتي العجيبة التي بدأتها من بلاد الخليج العربي إلى حوض المتوسط في إفريقيا،إلى متنفس القارة الأوروبية،إلى ليبيا!

Free Libya

ليبيا بلد مرّ بثورةٍ بدأت في السابع عشر من فبراير من العام 2011 ضد نظام حكم العقيد القذافي والذي كان كما يصفه أعدائه “المجنون” و يصفه أصدقائه –منهم الراحل “تشافيز”- بال”بطل الثوري”و اعتبره “شهيداً” ضد مؤامرات أوروبا و أمريكا.

نظام القذافي وصل إلى الحكم بعد انقلابٍ عسكريٍ أطاح بالملك السنوسي إدريس الأول،لا يمكننا إنكار أن القذافي كان ذو توجهٍ ناصري ولكن لم أقرأ بتمعن لأعرف أين ضاع فكره و كيف أصبح الشخص المجنون الذي كان عليه! متابعة قراءة ليبيا الحرّة؟