عن الذكرى والتعب

يجافي النوم عينيه المتعبتين، يتقلب في السرير، ينظر إلى السقف في الغرفة المظلمة، بغمض عينيه، يتذكر كل شيء كأنه حصل البارحة، الصراخ، الموت والدماء..
يغادر السرير ويتجه إلى مكتبه الصغير، ينظر إلى مرآته الضئيلة، هو لا يحب المرايا، تذكره بنفسه، فهو لم ولن يحبّ نفسه، كما يعتقد.
نظر إلى المرآة، ورأى آثار الحرب على وجهه، التعب والهرم. أزاح المرآة جانباً وأخرج أوراقه مرةَ أخرى، أخذ ينظر بأسى، وأخذ يقرأ “اليوم الذي مات فيه شخص بين يديّ”.
لم يستطع التحمل كثيراً، ترك الورقة عندما بدأ كل شيء يعود إلى بصره..الصراخ، الموت، اللون الأحمر السائح على الطرقات السوداء.

استغرب من نفسه، كيف يمكن لنا نحن البشر بعد كل هذه المعاناة أن نعود لحياتنا الطبيعية، وننسى كل شيء.. كيف يمكننا أن نحبّ، نفرح، ونشعر بالسعادة.
أمسك ورقة وبدأ يكتب..
“ذاكرة الإنسان قصيرة، لا تتعدى الفترة الزمنية التي يعيشها، ورغم أن هذا شيء جيد، فلولا النسيان لما استطعنا الاستمرار، لكن في الوقت ذاته فإن النسيان أحياناً ينسينا من نحن، وكيف بدأنا ولمَ في الأصل نحن هنا. بعض الذكريات لا تتركنا، وتبقى موجودة لتؤثر علينا مهما حاولنا. كيف نتجاوز ذلك؟ علينا التكيّف مع هذه القضية. علينا…”
يتوقف عن الكتابة، كيف عليه الاعتياد على موت وفقدان من يحبّ؟
يمسح عينيه وأثر القليل من الدموع التي بقيت في عينيه، يمزّق الصفحة..ينظر إلى السقف مرةَ أخرى، يتنهد..
“البشر، جنس لن يتوقف عن التطوّر، لن يتوقف عن القتل، لن يتوقف عن الظلم. نحن محكومون بالفشل والفناء. ووجودنا الحالي نتيجة طيبة وسذاجة القلّة منّا.”
ينظر إلى كتاب على مكتبه، “الغاية تبرر الوسيلة- الأمير”
ميكافيلي، أول من قالها، لكنّها الطبيعة السوداء للبشر..
الغاية، لا تبرر الوسيلة فحسب، بل وتجمّل القبيح منها.

متابعة قراءة عن الذكرى والتعب