هوكينج: الخروج من الثقب الأسود ممكن!

نُشر المقال لأول مرة على موقع إضاءات

يرى العلماء أن كلّ ما في الكون هو معلومات يتم تشفيرها ونسخها، كالصبغيات في الخلايا البشرية وهي المعلومات التي تكون الكائن البشري، وترتيب الذرات التي تكوّن جسمًا معيّنًا، كل ذلك هو «معلومات». وقد بدأت المعلومات بالظهور في كوننا منذ لحظة الإنفجار العظيم ومازالت في تزايدٍ حتى الآن.

حسب الفيزياء الكمومية فإن هذه المعلومات لا تدمر ولا تفقد أبدًا، وهو ما يظن العلماء أنه يحدث في الثقوب السوداء، لكن تغيرت نتائج الأبحاث حول المعلومات التي تدخل إلى الثقب الأسود خلال العقود الماضية، هل تتدمر نهائيًا؟ أم تخرج بشكلٍ آخر؟

مفارقة خسارة المعلومات في الثقوب السوداء:

ككل شيء موجود في كوننا، يجب أن تملك الثقوب السوداء سجلًا يحفظ طريقة تشكلها، أي أن تحتفظ بمعلومات النجم الذي تولّدت منه، بالإضافة لمعلومات كل شيء سقط فيها منذ تشكّلها، لكن إن كانت فعلًا تتبخر كما قال هوكينج سابقًا، فهل هذا يعني أن المعلومات دُمرت واختفت؟

حاول الفيزيائيون إيجاد طريقة تستطيع بها المعلومات الإفلات من الثقب الأسود عبر إشعاعات هوكينج، لكن الثقوب لا تستطيع تحميل المعلومات لهذه الإشعاعات.

ظهرت المفارقة بشكل سطحي في أوائل سبيعنات القرن الماضي عندما نتج عن عمل «ستيفن هوكينج – Stephen Hawking»، و«جاكوب بيكينشتاين – Jacob Bekenstein» أنّ هذه الثقوب السوداء ليست فعلًا سوداء، بل وجدوا -حسب الفيزياء الكمومية- أنّ هناك أزواجًا من الجسيمات وأضداها تتولّد عند أفق الحدث، ثم تفترق ليلتقف الثقب الأسود أحد الزوجين وينطلق الآخر إلى الفضاء.

يعني ذلك أنّ الثقب الأسود ينتج «جسمًا»، وتُسمى هذه الجسيمات المنطلقة «إشعاعات هوكينج – Hawking radiations».

وحسب نظرية هوكينج، بمرور الوقت تتبخر الثقوب السوداء بهذه الطريقة تاركة «فراغًا لا يحتوي شيئًا» مكانها، ولكنّ هذا يعدّ معضلة كبيرةً للفيزياء الكمومية، والتي بحسبها: «المعلومات لا تُخسر ولا تُدمّر».

حاول الفيزيائيون إيجاد طريقة تستطيع بها المعلومات الإفلات من الثقب الأسود عبر إشعاعات هوكينج، لكن المشكلة هي عدم قدرة الثقوب السوداء تحميل المعلومات لهذه الإشعاعات. حسب النظرية النسبية العامة، فإنّ الثقوب السوداء تحمل خصائص بسيطة فقط: الكتلة، الشحنة، والتسارع الزاويّ (نفس تسارع النجم الذي نتجت عنه).

في 2004، قام «سمير ماثور» من جامعة أوهايو وزملاؤه بتقديم نموذج للثقوب السوداء حسب «نظرية الأوتار الفائقة – String Theory» -التي تقول أنّ الكون مؤلّف من أوتار صغيرة مهتزة، وليس من جسيمات بالغة الصغر- واعتمادًا على هذه النظريّة فإنّ الثقوب السوداء تصبح مجموعة هائلة من الأوتار، وتقوم إشعاعات هوكينج بحمل أجزاء من المعلومات الموجودة في داخل أوتار الثقب الأسود.

الثقوب السوداء غير موجودة فعلًا:

نشر هوكينج ورقةً علميّةً كتب فيها؛ «لا وجود للثقوب السوداء»، ثم يشرح مستطردًا أنّ «لا ثقوب سوداء كالتي نعرفها، حيث لا مهرب حتى للضوء منها».

إذًا فالثقوب السوداء مازالت موجودة، لكن الاختلاف هو في خصائصها، إن كانت ورقة هوكينج صحيحة. «لا يمكنك الهروب من الثقب الأسود في النظرية الكلاسيكية» يقول هوكينج، لكن حسب الفيزياء الكمومية فإنّ المعلومات والطاقة يمكنها الخروج من الثقب الأسود، وكلّ ذلك يحتاج الكثير من النظريات والدمج بين الجاذبية وقوى الطبيعة الأخرى.

بعد اكتشافها من قبل عالم الفيزياء النظريّة «جوزيف بولتشينسكي – Joseph Polchinski»، برزت مفارقة الحائط الناري للثقوب السوداء، وهي الرد النظريّ على معضلة سقوط رائد فضاء في ثقب أسود.

يظهر أفق الحدث حول الثقب الأسود كحلّ رياضيّ لنظريّة النسبية العامة لـآينشتاين، وأول من أشار إليه الفلكي «كارل شفارتزفيلد» –الذي سُميّ قطر الأفق باسمه فيما بعد- حسب هذه النظريّة، فإنّ رائد الفضاء المسكين يسقط دون أن يعرف ماذا حصل له عبر أفق الحدث، ليتمّ جذبه تدريجيًّا إلى داخل الثقب الأسود ويتمّ تمطيطه بسبب الجاذبية الكبيرة للمتفرّدة، ليتطاول كالسباغيتي بسبب الفرق في التأثير للشد الجذبويّ الممارس على الطرف الأقرب للثقب الأسود وهذا ما يُسمّى بالـ«Spaghettification»، وفي النهاية يصلّ إلى المتفرّدة ويتحطمّ هناك.

لكن بعد تحليل هذه الحالة من قبل «بولتشينسكي» وفريقه حسب قوانين الفيزياء الكموميّة، التي تدرس الجسيمات الدقيقة، وحسب هذه النظريّة فإنّ أفق الحدث يجب أن يكون جدارًا ناريًا يحرق رائدنا المسكين محوّله إلى بقايا فحم.

لكن حسب النظرية النسبية لآينشتاين، فإنّ السقوط الحر للرائد داخل الثقب الأسود، سيبدو للمراقب بنفس الطريقة من جميع المواقع، سواء كان المراقب يسقط أيضا في الثقب الأسود أو كان يطوف في الفضاء الفارغ، أي حسب آينشتاين والنسبيّة العامة فإنّ أفق الحدث مكان عاديّ جدًا لا يختلف عن أيّ مكان في الفضاء.

في الـ22 من يناير/ كانون الثاني 2014، طرح هوكينج ورقةً بحثيّةً باسم «الحفاظ على المعلومات والتنبؤ بالطقس للثقوب السوداء – Information preservation and weather forecasting for black holes»، طرحها بناءً على حديث قدمّه في معهد كافيلي للفيزياء النظرية في أغسطس/ آب 2013. يمكنك مشاهد العرض الذي قدّمه هوكينج: هنا.

ولحلّ مشكلة الجدار الناري، اقترح هوكينج شيئًا غريبًا، فألغى وجود «أفق الحدث – Event Horizon» واستبدله بمفهوم آخر هو «الأفق الظاهري – Apparent Horizon» الذي لا يقوم بفعل الأفق السابق، الذي يحبس الأشياء داخله إلى الأبد، وبهذا فإنّ عبارة «لا ثقوب سوداء» في كلام هوكينج، تعني الثقوب السوداء بمفهومها الكلاسيكي الذي يمنع الأشياء من الخروج ويحبسها داخله.

ويمكن تعريف الأفق الظاهري بأنّه المساحة الموجودة حول الثقب الأسود، والتي عند محاولة الأشعة الضوئية الإفلات منها، فإنها لا تستطيع المغادرة وتبقى محتجزةً هناك. ومبدئيًا يمكننا التفريق بين الأفقين بأن زيادة المواد التي تُبتلع من قبل الثقب الأسود ستؤدي لزيادة حجم أفق الحدث أكثر من ذلك التأثير الحاصل على الأفق الظاهريّ.

عبارة «لا ثقوب سوداء» في كلام هوكينج، تعني الثقوب السوداء بمفهومها الكلاسيكي الذي يمنع الأشياء من الخروج ويحبسها داخله.

يقول «دون بايج – Don Page» الفيزيائي وخبير الثقوب السوداء في جامعة ألبيرتا والمشارك لهوكينج في أعماله في سبعينيات القرن الماضي، «إنّه من التطرّف القول بعدم وجود أفق حدث، لكن تحت الظروف الكموميّة.

وبسبب الغموض الذي يلّف موضوع الزمكان، نحن لانستطيع تحديد المنطقة المسمّاة فعلًا، أفق الحدث». لكن بايج مازال مترددًا بشأن مشاكل أفق الحدث، وأنّها قد تحدث بسهولة أيضًا في مفهوم الأفق الظاهريّ.

ويمكن للأفق الظاهري، بعكس أفق الحدث، أنّ يختفي في النهاية –رغم أن هوكينج لم يفسر كيفية اختفاء الأفق الظاهري في ورقته- وهذا يؤدّي ببايج للاعتقاد بأنّ هوكينج يفترض أنّه من الممكن لأيّ شيء الخروج من الثقب الأسود، فإنّ تقلصّ هذا الأفق إلى حجم معيّن، تحت تأثير كلا النظرية الكمومية، والجاذبية يمكن بعده أن يتلاشى ليخرج ما كان داخل الثقب، لكن ليس بالشكل الذي دخل فيه طبعًا.

إذا كان هوكينج محقًا، فمعنى ذلك أنه قد لا توجد حتّى «متفرّدة – Singularity» في مركز الثقب الأسود. مما يعني أنّ المادة ستكون فقط محتجزة خلف الأفق الظاهري، تتحرك ببطء شديد إلى الداخل بسبب جاذبية الثقب الأسود، ولكنها لن تصل أبدًا إلى المركز، بينما لا تتدمر المعلومات المتعلقة بتلك المادة، بل تغادر الثقب الأسود عن طريق إشعاع هوكينج.

بالرغم من ذلك فإنها ستكون مُشوشة ومختلفة تمامًا عن الحالة التي دخلت بها الثقب الأسود، مما يجعل من الصعب جدًا معرفة حالتها، أو ماهيّتها قبل أن يبتلعها الثقب الأسود. وفي ورقته البحثيّة يقارن هوكينج الوضع بتنبؤات الطقس، والتي نظريًّا هي شيءٌ ممكنٌ نقوم بفعله وعرضه في نشراتنا الإخباريّة يوميًّا، لكن فعليًّا فإنّ الأمر شديد الصعوبة ولا يعطينا نتائج فائقة الدقّة.

لكن بولتشينسكي ما زال مشككًا بوجود ثقوب سوداء دون أفق حدث في الطبيعة، ويقول «حسب نظريّة الجاذبيّة آينشتاين، فإنّ أفق الثقب الأسود ليس مختلفًا عن أي مكان آخر في الفضاء، ونحن لانرى تقلّبات الزمكان في باحتنا الخلفيّة في الكون، بل نحتاج لمساحة أوسع بكثير لرؤية ذاك الأثر، حيث يختفي أفق الحدث».

مفارقة المعلومات مرةً أخرى 2015

قدّم هوكينج ما يعتبره الحلّ لمفارقة خسارة المعلومات، خلال جلسة في معهد (KTH) الملكي للتكنولوجيا في ستوكهولم في 25 أغسطس/ آب. حسب اقتراح هوكينج فإنّ المعلومات لا تُحفظ في داخل الثقب الأسود كما يعتقد المرء، بل على العكس، توجد المعلومات على حدود الثقب الأسود، عند أفق الحدث.

ويمكننا تخيّل أفق الحدث بشكل كرة تحيط بالثقب الأسود، حيث لا يمكن للجزيئات عند الوصول إليه النفاذ خارجًا،  ويقترح هوكينج أنّ معلومات النجم المولّد للثقب الأسود ومعلومات الجسيمات التي تصل لأفق الحدث تُترجم إلى هولوغرام -أيّ وصف ثنائيّ الأبعاد لجسم ثلاثيّ الأبعاد-، وتتوضع هذه المعلومات بشكلها الجديد على سطح أفق الحدث. وهذا ما سمّاه بالترجمة الفائقة أو «التحوّل الفائق – Supertranslations».

هذا التحوّل الفائق يتضمن معلومات الجسيمات الداخلة إلى الثقب الأسود، وهكذا لا نخسر المعلومات المحتواة في الثقب الأسود. إذًا يمكن لإشعاعات هوكينج حسب هذا الاقتراح أن تحمل بعض من المعلومات المُخزنة على محيط الثقب الأسود عند إصدارها منه سامحةً للمعلومات بالخروج.

هذا التحوّل الفائق لن يكون بلا ثمن، فمعلومات الأجسام الداخلة تخرج لكن بطريقة وشكل فوضويّين مختلفيين بشكلٍ كليٍ عن الأصل، وهكذا نظريًا تمّ حلُّ مفارقة المعلومات، ولكن فعليًا فخروج المعلومات بهذه الشكل يعني ضياعها، أو على الأقل ضياع شكلها.

وفي النهاية نذكر لكم ما قاله هوكينج حوال احتمالية كون الثقوب السوداء مفاتيح لأكوان أخرى:

«لا تفقد الأمل إن كنت تشعر أنّك في داخل ثقب أسود، هناك طريقٌ للخروج، قد تكون الثقوب السوداء بوابات لعوالم أخرى، لكن لحصول ذلك يجب أن يكون الثقب كبيرًا ومتحركًا، لكنّ أعلم أنّك بالتأكيد لن تعود إلى كوننا هذا نفسه، ورغم أنني أودّ تجربة الطيران في الفضاء، إلا أنني لا أفضل تجربة ذلك داخل الثقب الأسود».

سيقوم هوكينج وزملاؤه لاحقًا بنشر الورقة العلمية التي تشرح نظريتهم الجديدة تلك في الأشهر القادمة.

الإعلانات

الثقوب البيضاء: ما هي؟ وما علاقتها بالثقوب السوداء؟

 

ملاحظة: نُشر هذا المقال لأول مرة على موقع إضاءات

في البداية أوّد أن أنوّه أن معظم ما سنتحدث عنه اليوم نظريّ بحت، ولقراءة أفضل، أنصحك بالعودة وقراءة المفاهيم العامة للثقوب السوداء في مقالي السابق:

الثقوب السوداء: ماذا تعرف عن وحوش الفضاء المرعبة؟

عند الوصول إلى نقطة اللاعودة، عند حدود الثقب الأسود -والتي تُسمّى أفق حدث الثقب الأسود- يسقط الجسيم نحو الهاوية المعروفة باسم «المتفرّدة-singularity» ليضيع داخل الثقب الأسود. لكن هل تساءلت عن وجود معاكسٍ لهذه الثقوب؟ علماء الفيزياء النظرية دائمًا ما يفكرون في تلك الافتراضات البعيدة.

«الثقب الأبيض – White Hole»؛ هو المعاكس الزمني النظري للثقب الأسود. فبإمكانك دخول الثقب الأسود من الخارج، بينما لا يمكن دخول الثقب الأبيض من خارجه أبدًا. يتشابه الثقبين (الأسود والأبيض) كثيرًا، حيث يتألّف كلاهما من المكوّنات نفسها.

المتفرّدة ذات الجاذبية الهائلة، وأفق الحدث. يكمن الاختلاف الأساسي بين الثقبين هنا بالتحديد، عند اتجاه مرور المادة عبر أفق الحدث. يقوم أفق حدث الثقب الأسود بابتلاع المادة المتوجهة نحوه ومنعها من الخروج مرةً أخرى، بينما ينبذ أفق حدث الثقب الأبيض أي مادة متجهة نحوه، بل حتى تلك الموجودة داخل حدوده.

يُعرّف العلماء الثقب الأبيض بأنّه «المعاكس الزمني النظري للثقب الأسود-theorized time reversal of a black hole»، فبإمكانك دخول الثقب الأسود من الخارج، بينما لا يمكن دخول الثقب الأبيض من خارجه أبدًا، كما أنّ الثقب الأسود هو مكان اختفاء المادة التي تتوجه نحوه، بينما تظهر مواد جديدة في الكون بدءًا من الثقب الأبيض.

الثقب الدودي

يظهر مفهوم الثقب الأبيض في شرح مفهوم الثقب الدودي. فالثقب الدودي يتكون من ثقب أسود من جهة، يقوم بجذب المادة وسحبها إليه، وثقب أبيض في الجهة المقابلة، يقوم بطرد المادة منه. هذه الثقوب الدوديّة غير مستقرة فعليا، فهي تزول من الوجود عند تفاعلها مع المادة، وهي -الثقوب الدودية- موجودة فقط كحلٍّ لمعادلات آينشتاين، عندما لا تتفاعل المادة مع الثقب.

نحن نعلم أن الثقوب السوداء الحقيقية تتشكل عند انتهاء الوقود النجمي، بينما تتقلص الثقوب البيضاء وتتخلص من المادة، لذلك من غير الممكن فعليا أن توجد متصلة بالثقوب السوداء، فوجود المادة الساقطة في الثقوب السوداء سيؤدي لاختفاء كليهما.

في الطريق إلى الثقب الأسود

عندما يصل «جزيء» إلى أفق حدث الثقب الأسود -حيث لا عودة بعد ذلك- يصبح حاضر ومستقبل ذاك الجزيء داخل الثقب الأسود. ولا أمل لنا في رؤية هذا الجزيء مرة أخرى تحت تأثير كثافةٍ كتلك، فأي ضوء ينبعث من هذا الجزيء سيفقد طاقته وستتزايد أطوال الأمواج الضوئية المنبعثة منه شيئًا فشيئًا حتى تختفي، وتصبح غير قابلة للرصد.

في الواقع إن استطعنا مراقبة الجزيء خلال سقوطه فإنه سيستغرق زمنًا لانهائيًا للوصول إلى أفق الحدث -أو هكذا يبدو لنا- أما بالنسبة للجزيء نفسه، السقوط سيكون سريعًا، بدون أي أثر على الوقت والزمن في تلك النقطة بالنسبة للجزيء نفسه.

نظريًا الثقوب البيضاء ممكنة

إذا كانت الثقوب السوداء بابًا باتجاهٍ واحد -نحو النسيان التام- فيا ترى، هل هناك بابٌ مقابلٌ للخروج؟

حسب نظرية النسبية العامة -النظرية المعتمدة للجاذبية خلال الـ100 عام السابقة- الفرق بين الماضي والمستقبل غير موجود فعليًا، اتجاه مرور الزمن ليس مهما في النظرية النسبية. كذلك الأمر في فيزياء نيوتن، فهي لا تهتم بمجرى الوقت، إذا فكرة «الثقوب البيضاء» مقبولة نظريًا في كلا النظريتين.

كمقابلتها، تمتلك الثقوب البيضاء «أفق حدث» لكن المميز فيه أنّ لا شيء يستطيع الدخول إليه، بعكس أفق حدث الثقب الأسود، ذلك لأنّ أفق حدث الثقب الأبيض موجود في الماضي، وأي جسيم يخرج منها ستتزايد طاقته نظريّا بغض النظر عن طول الموجة الذي يشعّها. وإذا ظهر جسيم إلى الوجود داخل أفق الحدث للثقب الأبيض، فإنّ مصيره الطرد خارجًا.

هل فعلًا تتواجد الثقوب البيضاء في الطبيعة؟ وإن كانت خيالًا؛ فماذا نستنتج من ذلك عن تناظر الزمن؟

كما تكلمنا سابقًا عن الثقوب السوداء، فهي موجود بكثرة في الكون، تقريبًا تحوي كل مجرة كبيرة ثقبًا أسود فائق الضخامة في نواتها، بالإضافة لبضع ثقوب سوداء صغيرة أخرى. أما بالنسبة للثقوب البيضاء، فهي موجودة نظريًا، ولم يستطع العلماء حتى الآن رصدها في الطبيعة مما لا يتيح تأكيد أو نفي وجودها.

لكن في عام 2006، تم رصد انبعاث لأشعة غاما تميّز بمدته الطويلة نسبيًا (102 ثانية) -أي زمن أطول حتى من زمن انفجارات السوبرنوفا (المستعرات العظمى)- في الوقت الذي لم يتواجد فيه أيّ انفجارات نجمية في ذلك المكان.

يُقترح الآن أنّ هذا الحدث هو بالفعل قد يكون «ثقبًا أبيضًا» ظهر للوجود نافثًا بعض المادة، ثم انهار على نفسه بانفجار ضخم. رغم أنّ هذا التفسير ليس الأكثر قابلية للحدوث، لكنه دفع علماء الفلك في التفكير مرة أخرى في المستحيل عمليا الممكن نظريًا، الثقوب البيضاء.

كيف تتشكل الثقوب البيضاء؟

المشكلة الأكبر تكمن في التفكير بكيفية تشكل الثقوب البيضاء. الثقوب السوداء تتشكل نتيجة انهيار النجم تحت تأثير الجاذبية الخاصة به، بعد أن ينتهي وقوده من الغازات والتفاعلات النووية الناتجة عن اندماجها. في تلك الحالة ينهار النجم ليشكل نقطة شديدة الكثافة، شديدة الجاذبية، لا يستطيع حتى الضوء الإفلات منها، ويتشكل بذلك الثقب الأسود.

كل الثقوب السوداء -بما فيها الثقوب السوداء الفائقة الضخامة والتي تعتبر أثقل بملايين أو بلايين المرات من الثقوب السوداء العادية- جميعها تنتج عن الانهيار تحت قوى الجاذبية، سواء كانت نجمًا هائل الحجم مولودًا في بداية الكون، أو غيمة كبيرة من الغازات في نواة مجرة بدائيّة، كلّها تتبع نفس الظاهرة. لكن لتشكيل ثقب أبيض نحتاج لشيء مشابها لانفجار جاذبية عظيم، وليس من الواضح فعلًا كيفية حدوث ذلك!.

احتمال آخر هو أن تكون الثقوب البيضاء «لصيقة» بأختها السوداء. لتُنتج الثقب الدودي الذي تحدثنا عنه مُسبقًا. للأسف تشكّل «الثقب الأبيض» بهذه الطريقة لا يحلّ المشكلة -نظريًّا- أي مادة تسقط في الثقب الدودي -الذي حسب طبيعته يكون غير مستقر فعلًا- ستؤدي لانهياره مغلقة الطريق بين الثقب الأبيض والأسود.

تناظر الزمن

إذًا فعليًا، نحن نعرف أن كوننا يحوي الكثير من الثقوب السوداء لكن لا بيضاء بينها، ذاك ليس بسبب عدم تناظر الزمن، لكن بسبب طبيعة الانهيار الجاذبي، هو يسير باتجاه واحد فقط.

حتى الآن؛ الثقوب البيضاء والانكماش العظيم، والثقوب -الممرات- الدودية، كلها قابلة للتطبيق نظريًا -حسب نظرية النسبية العامة- لكن ذلك لا يعني أنها موجودة في الطبيعة.

هذا الوضع يتكرر في أكثر من حالة في كوننا. فبداية كوننا حسب الإنفجار العظيم كانت نقطة متفرّدة، لكن الأدلة على الانسحاق العظيم ضئيلة جدًا. أن تنكمش المادة مرة أخرى في نقطة وحيدة في المستقبل البعيد، هذا لأن الكون مستمر في التباعد والتوسع بشكل لا نهائيّ بسرعة متزايدة -وذاك بسبب أثر الطاقة المظلمة- أي لا نهاية متناظرة للكون، حيث لن يعود كل شيء إلى نقطة متفردة كما بدأ.

بشكلٍ ما؛ يشبه الإنفجار العظيم الثقب الأبيض في جوانب عديدة، وربما يكون الشيء الأكثر شبهًا له. فهو يقع في الماضي بالنسبة لأي مراقب في الكون، وكل شيء يتوسع ابتداءً من المتفردة الأولى، لكن لا يوجد «أفق حدث» للإنفجار العظيم –أي يعتبر حينها «متفرّدة مجرّدة»- فهي بذلك تمثل المنحى المعاكس لانهيار النجم بسبب جاذبيته.

عدم التناظر الموجود في نسيج الزمن، ليس صفة ذاتيةً خاصةً به، بل مكتسبة بسبب تصرفات المادة والطاقة. فالإنهيار الجاذبي في نهاية الزمن، والتوسع البِدْئي في البداية، كلها تحتاج لدراسة أعمق ما زال الفيزيائيون يحاولون الوصول لمعنى مناسب لها.

الارتداد الكمومي

نطرح تساؤلًا: هل الثقوب السوداء؛ بيضاء؟

تقترح إحدى الفرضيات الأخرى أنّ الثقوب السوداء؛ تتحول بمرور الزمن إلى نظيرتها البيضاء، حيث يحدث التحوّل من الثقب الأسود إلى الأبيض مباشرةً بعد تشكّل الثقب الأسود نفسه، لكن بسبب تمطّط الوقت تحت تأثير الجاذبية، فإنّ تحوّل الثقب الأسود -بالنسبة لمراقب الخارجي- سيستغرق مليارات من السنين إن لم يكن تريليونات!.

إن كان هذا الافتراض صحيحًا؛ فذلك يعني أن الثقوب السوداء التي تشكلت في المراحل الأولى من تاريخ كوننا القديم؛ ستكون جاهزة للظهور لأعيننا الآن، ويمكننا الكشف عنها بشكل أشعة كونيّة عالية الطاقة.

عند وصول النجم المنهار إلى نهاية حياته واتخاذه الطريق المؤدي للوصول لحالة «الثقب الأسود»، فإنه يستمر في التقلص في نقطة -المتفرّدة- شيئًا فشيئًا. لكن حسب هذه الفرضية؛ فإنّ النجم يصل لنقطة لا يمكنه التقلص بعدها، وحينها يطلق ضغطًا، يسميه أصحاب الفرضية «الارتداد الكمومي – Quantum Bounce»، وعندها يتحول الثقب الأسود إلى أبيض.

قام بعض منظّري «علم الكون الكمومي الحلقي-Loop quantum cosmology» بوضع بعض المعادلات الرياضية التي لا تشرح فقط انهيار النجم نحو ثقب أسود، بل انهيار كونٍ كامل. ووجدوا أن الكون كله يمكن أن يرتد، واقترحوا أن «الإنفجار العظيم» الخاص بكوننا قد يكون «ارتدادًا عظيمًا» أيضًا ناتجًا عن تحول ثقب أسود إلى آخر أبيض في كون أُم، وهذا ما يعرف بـ«ـنظرية الأكوان الوليدة».

مشكلة ضياع المعلومات

إذا تحولت الثقوب السوداء إلى ثقوب بيضاء، وأصدرت جميع مكنوناتها مرة أخرى؛ فإن ذلك قد يوفر حلًا لإحدى أصعب مشكلات الفيزياء الأساسية. في العام 1970، وجد عالم الفيزياء النظرية «ستيفن هوكينغ» -وفقا لحسابات قام بها- أن الثقوب السوداء تخسر طاقتها ببطء أثناء انكماشها حتى تختفي. خسارة هذه الطاقة تتم فيما يعرف باسم «إشعاعات هوكينغ».

يقول الفيزيائي النظري «ستيفين غيدينغز»:

إن فهم كيفية إفلات المعلومات من الثقوب السوداء هو المفتاح الرئيس لفهم ميكانيكية الثقوب السوداء نفسها، وربما استيعاب الجاذبية الكمومية أيضًا.

ذاك يعني أن جميع المعلومات التي حملتها المادة التي سقطت في الثقب الأسود ستختفي إلى الأبد؛ مخالفةً بذلك أحد أهم قواعد النظرية الكمومية: لا يمكن للمعلومات أن تُدمر. يقدّر الوقت المطلوب -حسب معلوماتنا الحالية- لتحوّل الثقب الأسود إلى أبيض بالنسبة لمراقب داخلي بحوالي آلاف الثواني.

فلو كان الوقت يمضي بسرعة، بالنسبة لمراقب خارجي، فإن ذلك يعني أن كل الثقوب السوداء التي تشكلت قد انفجرت واختفت، وهذا يعارض الملاحظات الفلكيّة. وإن كان الوقت اللازم طويلًا فعلًا؛ فإن التحول سيكون مستحيلًا منطقيًا، لأن الثقب الأسود قد تبخر سابقًا بسبب «إشعاعات هوكينغ». على سبيل المثال، فإن ثقبًا أسودًا بحجم شمسنا يحتاج حوالي 3 ترليونات ضعف من عمر الكون الحالي، للتحول إلى ثقب أبيض.

في النهاية، أحب أن أكرر أن موضوع الثقوب البيضاء هو موضوع نظري يحتاج الكثير من التفكير والبحث. فنحن نتكلم عن شيء لم يُرصد حتى الآن، وربما لن يُرصد. بعض العلماء يعتقدون أن الثقوب البيضاء قد توجد فعلًا وتكون جزءًا من مفهوم أكثر تعقيدًا –الأكوان الولودة-، لكن تلك قصة أخرى لوقتٍ آخر.

 

الثقوب السوداء.. ماذا تعرف عن وحوش الفضاء المرعبة ؟

لهذه التفاعلات دور آخر أيضًا، فهي تشكل قوة تعاكس قوة جاذبية النجم نفسه. لذلك يستمر النجم منيرًا، ولا ينكمش على نفسه. لكن ماذا بعد أن ينتهي الوقود النووي؟

بعد أن تتوقف هذه الإندماجات، تختلف النتائج حسب حجم النجم وكتلته، لنحصل على عدّة نهايات. فإن كان النجم صغير الكتلة؛ ينتهي الأمر بتحوله لقزم أبيض (يصغر حجم النجم ليصبح في حدود حجم الكواكب، لكن تبقى كتلته نفسها)، أو أن ينفجّر بما يعرف بـ«المستعرات العظمى – Supernova» مطلقة أشعة ومواد إلى الكون. وما يبقى من النجم؛ يتجمّع تحت تأثير قوة الجاذبية، والتي لا يوجد شيء ليعارضها الآن، في حيّز صغير جداً ويصبح ما يسمّى الثقب الأسود.

تاريخ الثقوب السوداء

بدأ تاريخ الثقوب السوداء في العام 1784، حين كان الجيولوجي «جون ميتشيل – John Michell» يفكر في نظرية نيوتن للجاذبية. فحسب فيزياء نيوتن؛ تستطيع قذيفة مدفع أن تدور حول الأرض إذا فاقت سرعة معينة تسمّى «سرعة الإفلات» من الكوكب.

هذه السرعة تعتمد على كتلة وقطر الجسم الذي تحاول أن تفلت منه. كان «ميتشيل» يحاول تخيّل جسم بسرعة إفلات كبيرة جدًا تفوق سرعة الضوء. ناقش بذلك العلماء الآخرين الذين توقعوا أن هذه «النجوم المظلمة» قد توجد في السماء لكن لايمكن أن نراها، لأنّ الضوء لا يفلت من جاذبيتها.

بشكلٍ منفصل قام  العالم «بيير سيمون لابلاس – Pierre-Simon Laplace» باكتشاف هذه «النجوم المظلمة»، وتوقّع أن قطر هذه النجوم -بالنسبة لنجم يمتلك كتلة مساوية لكتلة شمسنا- يجب أن يكون في حدود 6 كيلومترات فقط.

بعد المعرفة الكبيرة التي حصلنا عليها في القرن العشرين في مجال الفيزياء؛ توصل عالم الفلك الألماني «كارل شفارتزشيلد – Karl Schwarzschildg» للفكرة التالية:

إن انضغاط جسم ذو حيّز هائل إلى نقطة مفردة؛ سيؤدي إلى تغيير نسيج الفضاء حوله بطريقة لايسمح فيها للضوء بالإفلات. ولكي يستطيع الضوء الإفلات منها؛ يجب أن يكون على بعد معيّن أكبر ممّا يسمّى بـ«نصف قطر شفارتزشيلد». يحدد هذا المقياس مايسمّى بـ«أفق الحدث»، والذي يمكننا أن نشبّهه بفوهة الثقب الأسود، متى ما تخطينا الأفق فلا عودة!

أما بالنسبة  للتسمية فهي حديثة نوعًا ما بفضل الفيزيائي «جون ويلير – John Wheeler» الذي استخدم تعبير «الثقب الأسود – Black Hole» في الأدب العام، والتصق ذاك الإسم بالثقوب حتى الآن. إذن؛ بالتعريف: الثقب الأسود هو منطقة من نسيج «الزمكان» ذات جاذبية كبيرة، لا يستطيع أي جزيء أو -حتى الضوء- أن يفلت منها.

لماذا لا نرى الثقب الأسود؟

لا نراها لأن الضوء لا يستطيع الإفلات من الجاذبية الهائلة في مركزه. كما أن هذه الجاذبية تقوم بإحداث «تقعّر» في نسيج «الزمكان» مسببة ثقبًا فيه، ولذا تسمّى بالثقب الأسود.

يسمّى مركز الثقب الأسود «متفرّدة – Singularity»؛ وهي النقطة التي تتجمّع فيها كتلة الثقب الأسود تحت تأثير جاذبيته. أما حدود هذا الثقب فتسمى «أفق الحدث – Event Horizon»، عند وصول أي جسم لهذا الأفق يبتلعه الثقب الأسود، وعند هذا الأفق يتوقف الزمكان، ولا يمكن لشيء الخروج منه.

نصف قطر هذا الأفق يسمّى «نصف قطر شفارتزشيلد – Schwarzschild radius»، وهو نصف القطر الذي حدده العالم «كارل شفارتزفيلد». وبالتعريف: هو نصف القطر الذي يجب على كتلة النجم أن تتجمع فيه حتى يتحول إلى ثقب أسود.

أنواع مختلفة للثقوب السوداء

بالتأكيد، تختلف الثقوب السوداء حسب النجوم التي انبثقت منها، وهناك تصنيفات عديدة؛ منها نسبةً لحركتها كالآتي:

  1. ثقوب «شفارتزفيلد»:وهي الثقوب السوداء البسيطة التي لا تدور حول نفسها (تنتج عن نجوم لم تكن تدور حول نفسها).
  2. ثقوب «كيرر – Kerr»:وهي الثقوب الناتجة عن موت النجوم التي كانت تدور حول نفسها. أي أنّ الثقب الأسود يبقى محتفظًا بسرعة الدوران الأصلية للنجم، ويبقى يدور بنفس السرعة الأصليّة.

ومنها نسبةً لحجمها:

  1. الثقب الأسود النجمي:عندما ينتهي وقود النجم وينطفئ، يتحول إلى قزم أبيض ونجوم أصغر، لكن إن كانت كتلته أكبر من كتلة الشمس بـ3 أضعاف؛ فإنه يستمر في الاضمحلال تحت تأثير الجاذبية، ليصبح ثقبًا أسودًا نجمي. حسب مركز «هارفارد-سمثونيان» لدراسة الفيزياء الفلكية، فإن مجرتنا درب التبانة تحوي مئات الملايين من هذا النوع من الثقوب السوداء.
  2. الثقوب السوداء فائقة الضخامة:تترواح أحجام هذه الثقوب بين ملايين لبلايين حجم شمسنا، لكنها بنصف قطر صغير بيقارب حجم نصف قطر شمسنا. توجد هذه الثقوب في مركز كل مجرة تقريبًا، وتوجد أيضًا في مجرتنا. أحد الاعتقادات في تشكل هذه الثقوب الضخمة، هي التحام عدة ثقوب سوداء صغيرة معًا لتشكيل جسم واحد بهذا الحجم.
  3. الثقوب السوداء متوسطة الحجم:في السابق اعتقد العلماء أن الثقوب السوداء تأتي بحجمين، كبيرة وصغيرة فقط، لكن مؤخرًا تبيّن وجود صنف ثالث المتوسط الحجم، والتي تأتي بحجم 100-1000 شمس، ويُعتقد أنّها هي التي تشكل فائقة الضخامة.

كيف يزداد حجم الثقب الأسود؟

بسبب جاذبيتها الكبيرة، فإن أي جسم يصل لحدود أفق الحدث لا يستطيع أن يخرج من جاذبية الثقب الأسود، وبالتالي يتم ابتلاعه. أي أن الثقوب السوداء لا تبتلع الأشياء البعيدة عنها، فقط تلك التي تقع في داخل حدود الفوهة.

ماذا سيحدث لو بدّلنا شمسنا بثقب أسود بنفس الحجم؟

حسنًا، سيعم الظلام نظامنا الشمسي، لكن ستبقى حركة الكواكب طبيعية حول الثقب الأسود، وسيبقى كوكبنا في أمان ما دام على بعد أكثر من 10 أميال من الثقب الأسود (كوكبنا على بعد 93 ميل، لا داعي للقلق!).

الحميّة الرئيسية التي يعتمد عليها الثقب الأسود ليكبر فعليًا، هي الغازات والغبار في الفضاء، وتستطيع الثقوب أن تتغذى على المواد المجتزئة من النجوم المجاورة بسهولة، بل وتستطيع أن تبتلع نجومًا كاملة. هذا النشاط الذي يؤدي لزيادة حجمها يؤدي أيضًا لإصدارها لأشعة راديوية، وسينية؛ هي التي تسمح لنا باكتشاف وجودها.

التحقق من وجود الثقوب السوداء

ثلاث خصائص تتميز بها الثقوب السوداء، ومن خلالها يمكننا معرفة وجودها وهي: الكتلة، الشحنة الكهربائية، التسارع الزاوي الخاص بالثقوب السوداء المتحركة.

نستطيع حاليًا فقط أن نحسب كتلة الثقب الأسود بحسب حركة الأجسام حولها، وذلك حسب قانون «كيبلر الثالث» المعدّل الخاص بحركة الكواكب، والذي ينص على أن مربع الفترة المدارية لكوكب حول نجم ما، يتناسب مع مكعب نصف المحور الرئيسي لمداره.

كيف يمكننا تحديد مكان الثقوب السوداء؟

رغم أننا لا نرى الثقوب السوداء، إلا أننا نستطيع تحديد وجود إحداها بدراسة تأثيرها على الأجسام القريبة منها، وهذه التأثيرات هي:

  1. تأثير كتلة الثقب الأسود:

نستطيع بواسطة قياس حركة الأجسام القريبة من المكان المُتوقّع وجود ثقب أسود فيه؛ أن نحدد كتلة الثقب الأسود. ما نبحث عنه هو نجم أو قرص غازي يتصرّف وكأنه بالقرب من كتلة ضخمة، بالرغم من عدم إمكانية رؤيتنا لهذه الكتلة. لذلك يكون سبب هذا التصرّف الغريب، هو جسم بكتلة أكبر من الكتل الشمسية، ونقدّر كتلته بحساب تأثيره على الجسم المرئيّ.

  1. تأثير عدسة الجاذبية:

توّقعت نظرية «آلبرت آينشتين النسبية» أن قوة الجاذبية قادرة على «حني» الفضاء. تم التأكد من ذلك خلال كسوف شمسي، حيث تمّ حساب مكان نجم قبل وبعد الكسوف، وتبيّن أن النجم انزاح لأن الضوء المنبعث منه انحنى بتأثير الشمس. لهذا فإن جسمًا ذو جاذبية كبيرة -كمجرة أو ثقب أسود- بيننا وبين جسم بعيد يستطيع أن يحني الضوء كما تقوم العدسة بذلك.

  1. الإشعاع المنطلق من الثقب الأسود:

عندما تدخل أي مادة إلى ثقب أسود -ربما من نجم مرافق- تتعرض لحرارة كبيرة جدًا تصل لملايين درجات كيلفين، وتصدر «أشعة سينيّة – x-ray»، والتي يمكن أن نرصدها عن طريق التلسكوبات؛ مثل «مرصد شاندرا» للأشعة السينيّة.

ما هو مصير هذه الثقوب السوداء؟

هل تبقى هذه الثقوب إلى الأبد بجاذبيتها الساحقة التي تمنع أي شيء من الخروج؟

أجاب عالم الفيزياء «ستيفن هوكينغ» عن هذا السؤال في العام 1974، باستخدام قوانين الفيزياء الكمومية أثناء دراسته للثقوب السوداء. في النهاية، تتبخر هذه الوحوش الكونيّة ببطء لتعيد طاقتها إلى الكون، ولكن تستغرق هذه العملية آلاف السنين. فثقب أسود بحجم شمسنا؛ يحتاج لبلايين أضعاف عمر كوننا المعروف حتى يختفي كليًا.

حسب فيزياء الكم؛ فإن الجسيمات الإيجابية، ومعاكستها تظهر بشكلٍ مستمر إلى الوجود. وبما أن كلاهما يحمل الكتلة نفسها لكن بشكلٍ معاكس، فإنهما يلغيان بعضهما. وبالتالي كأن وجودها لم يكن له تأثير، لكن ماذا لو وُجد بشكلٍ مباشر قرب ثقب أسود؟

يقول «هوكينغ»؛ أنّ جذب الثقب للجسيمات المضادة ذات الكتلة السلبية يؤدي إلى هلاكها، وبالتالي بقاء الجسيم الإيجابي دون أن يُلغى، لأنّ معاكسه ابتُلع داخل الثقب. هذه الجسيمات الإيجابية تخرج من الثقوب وهذا ما يسمّى «إشعاعات هوكينغ».

لكن بعد وقت طويل جدًا جدًا جدًا؛ فإنّ الثقب الأسود يبدأ بخسارة الكتلة بسبب الإضافة المستمرة للجسيمات السالبة، ويتبخر بشكل إصداره لـ«إشعاع هوكينغ» ( الجسيم الإيجابي الشحنة) إلى الفضاء. بعد خسارة الكمية الأكبر من كتلتها، تصل الثقوب السوداء إلى نهايتها بانفجارات عديدة مصدرة لأشعة غاما.

حقائق عن الثقوب السوداء

مالذي قد يحدث عند سقوطك في ثقب أسود؟ إحدى الحقائق -نظريًا-، ستقوم الجاذبية بـ«تمطيطك مثل السباغيتي»، أي أنك للأسف سوف تموت قبل أن تبلغ المتفرّدة. لكن دراسة في عام 2012 تقترح أن حدود أفق الحدث تعتبر كحائط ناري، أي أنك ستموت حرقًا عندها.

  1. الثقوب السوداء «لا تسحب» الأشياء كالمكنسة، الأشياء «تقع» في داخلها.
  2. Cygnus X-1؛هي أول جسم اعتبر ثقبًا أسودًا، حيث تم اكتشاف إصداره للأشعة السينية عام 1964. في عام 1971 لاحظ العلماء انبعاث راديوية منها، والتي يمكن قياسها بسهولة.
  3. «كيب ثورن، وستيفن هوكينغ»؛ الفيزيائيان اللذان عملا معًا لمعرفة حقيقة «Cygnus X-1»، حيث خسر «هوكينغ» الشرط أمام «ثورن». كان «هوكينغ» قد راهن أن هذا الجسم ليس ثقبًا أسودًا، وخسر الرهان، إذ تبين لاحقًا أنه بالفعل ثقب أسود.
  4. يعتقد أن الثقوب السوداء الصغيرة ربما تولّدت مباشرة بعد الانفجار العظيم، وذلك لأن الفضاء المتوسع بسرعة قام بحشر بعض المناطق في أماكن صغيرة ضيقة كثيفة.
  5. إذا مرّ نجم بقرب ثقب أسود، فإن من المحتمل أن يتم تمزيقه.
  6. يعتقد الفلكيون بوجود 10 ملايين إلى مليار ثقب أسود نجمي في مجرة درب التبانة، بكتلة تزيد كتلة شمسنا 3 أضعاف.

ملاحظة: نُشر هذا المقال لأول مرة على موقع إضاءات