التصنيفات
المدونة

مغامرات طبيب العصبية في قسم النفسية (٤)

تبًا، يوم جديد علي الاستيقاظ مجددًا. أحيانًا أعتقد أني أشد مرضًا من المرضى الذين أعتني بهم في القسم.

في طريقي للعمل أواجه السكة الحديدية، الموجودة في منتصف البلد، طبيعي. عندما تنزل هذه الأعمدة، فإنها تنزل لتبقى. فعليًا تبقى هكذا لمدة خمس دقائق، خمس دقائق فقط.

الإعلانات
التصنيفات
المدونة

مغامرات طبيب العصبية في جناح الاكتئاب في قسم النفسيّة (١)

يوم جديد، بداية جديدة في قسم بعيدٍ جدًا عن خبرتي السابقة، الأمراض الجسدية تختلف بشكلٍ كبير عن الأمراض النفسيّة.
المرضى نفسهم مختلفون وكذلك توقعاتهم عن الخدمة التي سيقدمها الطبيب لهم. في المجال النفسيّ غالبًا ما يُدعى الشخص “عميلًا” Client.

كان لا بدّ من وجود مريضٍ أول، ولدواع الخصوصيّة سنغير اسم الشخص، ولنختصره ب”السيد شين”.

السيد شين: مريض أم عميل أم ضيف خفيف الدم

“سوف تتسلى كثيرًا يا فرزت، لا تقلق، شين رائع!” يخبرني أحد الزملاء، طبيب قديم في قسم الاكتئاب.

عرفت شين بنفسي، طبيب جديد في مجال النفسيّة، سأحاول مساعدته بقدر الإمكان. ابتسم شين وعرفني بنفسه، وسبب هبوطه الاضطراري في قسم الاكتئاب، الشعبة المحبوبة في قسم النفسيًة.

“أوه يا صديق، أنا هنا منذ زمن بعيد، تقريبًا من ٢٠١١ في هذه الشعبة. أعود وأغادر كلّما أحسست بسوء حالتي النفسيّة. هل أحدثك عن مرضي منذ البداية؟ أم عن حالتي الآن؟”
أومأت برأسي ليبدأ شين بالتحدث، سيخبرني قصة حياته. عازف كمان مسافرًا في أوروبا، إلى إسبانيا تحديدًا للمشاركة في مسابقة للناشئة.

“سمعت عزفها لأول مرة، أحببتها من أول نظرة، أول نوطة موسيقيّة. أخبرت أمّها أنني عزمت التقدم لتزوجها، لم تقبل، لكن…” ضحك ونظر إلى سقف الغرفة، ثم أضاف: ” تواعدنا لمدة خمس سنوات، خلالها أنهيت دراسة الكيمياء ثم تزوجنا.”

لم يكتف شين بالبكالوريوس، بل أكمل دراسته وحصل على الدبلوم ثم بدأ بالتحضير لكتابة الدكتوراه.

فجأةً قرر شين أن هذه الحياة ليست له، وأنّ المرأة التي أحبّها لعشر سنوات لم تعد زوجته. غادر ألمانيا وسافر إلى الهند. أراد أن يكتشف نفسه، أن يعرف هدفه في الحياة والذي لم يجده بين عناصر الجدول الدوري أو ذرات المعادن الثقيلة.

قطع شين الهند مشيًا، وصل إلى نيبال ومشى أكثر من ٢٠ ألف كيلومترًا، هناك عمل كمرشد سياحي للأجانب.
باع السجاد النيبالي في ألمانيا، تعرف على الديانات المختلفة هناك، ثم وصل الصين. هناك تعرف على امرأة ألمانيّة تعبر سور الصين العظيم. تلك المرأة هي التي ستغير حياته للأبد. تزوجها هناك ودخلا في مغامرةٍ امتدت أكثر من عشرة سنوات جابا فيها العالم كله.

هنا أخرج شين من حقيبته كتابًا “حياتها :الجزء الأول” وأراني صورًا له ولحبيبته في أماكن مختلفة من القارة الأسيوية. بطاقات دخول المتاحف، بطاقات المترو.

“ما الذي تكتبه؟” سألته بعد أن لمحت العنوان عندما أغلق الكتاب.

“إنّه كتاب ألخص فيه حياتها معي، كتبت جزئين حتى الآن، وسأبدأ الثالث قريبًا.”

نهايات حزينة وبدايات مُرهقة: المرض والموت

لقد ماتت بسبب السرطان، أمضى شين آخر ثلاث سنوات يحاول رعايتها خلال مرضها. ماتت في بيته.

غادرت هي الحياة، وتركت شين ممزقًا، يأكل الألم جسده مقطعًا إيّاه. هنا كانت محاولة الانتحار الأولى. هنا تعرف شين على الطب النفسيّ.

بعد دخوله القسم المغلق لعدة أيام، نُقل شين إلى قسم الاكتئاب حيث بدأت المعالجة النفسيّة والدوائيّة والتي استمرت منذ ٢٠١١ حتى اليوم. في المشفى وفي العيادات الخارجية.

هززت رأسي، مسجلًا الملاحظات على ورقتي البيضاء الصغيرة. “لماذا استهواك الشرق كثيرًا؟ الهند ونيبال؟”

ضحك شين، ومسّد بأصابع يده اليسرى لحيته البيضاء القصيرة، ثم تابع مبتسمًا:

“عندما كنت طالبًا سافرت وعبرت دول حوض المتوسط بالسيارة جميعها، لم تكلفني الرحلة أكثر من ٢٠٠٠ مارك. دخلت إيران، أفغانستان، سوريا، لبنان وفلسطين ومصر. دخلت المغرب العربي وعدت عبر إسبانيا إلى أوروبا.

أحببت تلك الحضارات وتاريخها وثقافتها، أحببت شعبها البسيط وطريقة تعامله مع الضيف. ربما ذلك ما جذبني إليها، أليس كذلك، دكتور شيّا؟”

قبل أنّ أغادر الغرفة، أراد شين أن يخبرني شيئًا إضافيًَا. قرأ لي ما حفظه عن ظهر قلب: سورة الفاتحة باللغة العربيّة كاملةً! ثم قصيدةً بالفارسيّة.

أصبت بالذهول، شين، رجل في الثمانين من العمر، يتحدث سبع لغات، لفّ العالم وعاد. شين، أروع مريض مكتئب حُظيت به.

غادرنا شين مشفى النفسيّة بعد ثلاثة أسابيع، غادر بابتسامة.

سبب دخول المشفى

كان سبب الدخول، والذي أضحكني قليلًا، هو عدم مقدرة السيد شين المشي على يديه، فقد كسر ثلاثةً من أصابع يده اليسرى، ومن حينها لا يمشي على يديه ولا يعزف الكمان.

السيد شين مصاب بالاكتئاب، السيد شين عاش حياة رائعة لكن الاكتئاب قد يشلَ فعلًا.

بعد أن غادر شين، ذهبت إلى زميلي وأخبرته بصدق: “أتمنى أنّ أكون ك شين عندما أبلغ الثمانين!
ربما سأصبح طبيبًا نفسيًا جيدًا!”

ابتسم زميلي وقال “استعد لمريضك الثاني، السيد سين، سبب دخول المشفى “زيادة ساعات العمل إلى ٤ ساعات!”

تبًا!

مصدر الصورة :بيكسا باي

التصنيفات
المدونة

لا بأس

أستيقظ متأخرًا…تبًا، لقد نمت كثيرًا الليلة الماضية، مع ذلك لم أستطع الذهاب للداوم اليومي..ذلك الدوام الذي يقتل في المرء كلّ شيءٍ حيّ..
أنظر من النافذة، طلاب جامعيون، شبّان وفتيات يتبادلون أطراف الحديث. أدخن السيجارة الأولى، لا أريد أن تفوح الرائحة في المنزل، لذلك لا بد من التدخين على إطار النافذة…صاحبة المنزل أصرت، تبًا لها على كلّ حال، هي لا تملك أن تمنعني من قتل نفسي ببطء بواسطة هذه السجائر الجميلة..


أسعل بشدة، تبًا، يبدو أنني كبرت فعلًا…هل يجب عليّ فعلًا أن أبقى هنا؟
أفتح هاتفي النقال، أنظر إلى صورتك، أفتقدك..لكن لا بأس..

أريد أن أكتب، لا أستطيع، سأذهب إلى النادي الرياضي، نعم يا صديق، النادي الرياضي مفيد جدًا بعد 23 سيجارة صباحية..أصمد 56 دقيقةً هناك، ثم أعود إلى المنزل، أشتري علبةً من التونة، أفتحها وحيدًا وأجلس أمام شاشة الحاسوب لأشاهد الكوميديا…هل تعرف أن رائحة التونة قوية جدًا، حتى أنّ قطط دان تبدأ بالنواء عندما أفتح العلبة؟

أفتقدك بشدة

أخرج السيجارة الرابعة والعشرين لهذا اليوم، أدخنها بشراهة، أنا جائع حقًا، أنظر إلى علبة الويسكي المرصوفة في الثلاجة…لا ليس اليوم، ربما أذهب غدًا إلى المشفى، لا أريد الذهاب ثملًا..
أجلس على طاولة المطبخ، أنظر إلى الضوء…الدوار يذبحني…اكتشفت مؤخرًا أنني مصاب ب”الحول” وربما أحتاج معالجة منه…لا بأس..

أفتح الهاتف مرةً أخرى، تتصل بي صاحبة المنزل وتسألني عن خطتي لنهاية الأسبوع، ما الذي سأتناوله على الغذاء..تبًا لكِ، هل يجب أن تذكريني بوحدتي ؟

“عليك أن تتزوج امرأة تتقن الطبخ، وإلا ستموتان من الجوع معًا…أو تتعلمان معًا ! ”
“هههه، لا لا، سأكتفي بمراقبتها وهي تتعلم لوحدها، بينما أقوم أنا بتدخين..احمم..بينما أقوم أنا بإعداد السلطة! ”

تطبيقات المواعدة على هاتفي تتجاوز الخمسة تطبيقات، كلّ هؤلاء الجميلات يبحثن عن حبيب حقًا!! كيف؟؟ ولماذا لا يخترنني؟ تبًا لهن..لا بأس

أنظر إلى الكتاب الملقي على الأرض، أجلس هناك، أتمدد وأنظر إلى سقف الغرفة الأبيض، الدوار يعود من جديد…أريد أن أموت حقًا…لكن لا بأس..

قال لي يومًا “ستموت وحيدًا، ولن يجدك جيرانك إلا بعد حين..” بعد أن نظر في فنجاني، ابتسمت وقلت له “لكنّي لن أعيش وحيدًا أبدًا!” نظر إليّ وقال “ستعرف ذلك بعد سنةٍ من الآن..”
كان ذلك منذ سبع سنوات، وقد كان محقًا فعلًا…ترتجف يداي..تبًا..لا حليب في الثلاجة اليوم، لا جبنة، والكالسيوم في دمي منخفض…أستلقي..أمسك الحاسوب، وأكتب من جديد، مستمعًا إلى أرماند أمر الفرنسي وموسيقاه.. سأكتب…”لا بأس

 

التصنيفات
المدونة

ارحل

دع كل شيءٍ حولك وارحل

اترك القلم المرميّ على الطاولة

اترك الورقة البيضاء التي تمزقت