النجوم: كيف تنشأ؟ ومم تتكوّن؟

ملاحظة: نُشر هذا المقال لأول مرة على موقع إضاءات

عندما تسير وحيدًا في الصحراء في ليلةٍ صافية، ستبهرك السماء بكل هذه النجوم اللامعة التي تزين حلكةَ الليل، وقد تردد ما قاله أبو العلاء المعري:
وسهيلٌ كوجنةِ الحِبِ في اللو  نِ وَقلبِ المحبِ في الخفقانِ
ضرجتهُ دمًا سيوفُ الأعادي 
 فبكَت رحمةً له الشعريان

اهتمّ العرب قديمًا بالنجوم التي كانت دليلًا لهم في سفرهم وترحالهم، حفظوا خريطة السماء، وأطلقوا على النجوم التي كانت بمرمى بصرهم أسماء لا زالت تحتفظ بها حتى اليوم.

لنستكشف معًا قصة النجوم، كيف وأين تتشكل،مما تتكون وكيف تختلف الألوان التي تصدرها؟


السدم، حيث تولد النجوم

سديم هيلكس
سديم هيلكس

تولد النجوم في غيومٍ من الغبار، وذلك في جميع أنحاء المجرّات الواسعة، هذه الغيوم هي السُدم، سحاباتٌ منخفضة الكثافة، تحتوي الغازات والغبار. تبدأ  الحرارة بالازدياد شيئًا فشيئًا عندما تأثّر هذه المكونات على بعضها بسبب الجاذبية المتبادلة بينها، وبتشكل كرةٍ من الغبار والغاز في السحابات الدوارة، نحصل على ما يُسمى “النجم الأولي Proto star”والذي سيكبر يومًا ما ليصبح نجمًا، أما بقية الغاز والغبار المتجمعة حوله في السديم فإنها قد تتحول لتصبح كواكب ومذنبات وكويكبات، أو تبقى كما هي، مجرّد غبار.

في بعض هذه الحالات تكون كتلة هذه النجوم الأوليّة صغيرةً، وتفتقد للتفاعلات الحرارية النووية، لذلك يكون ضوؤها خافتًا وتُسمى «الأقزام البنيّة Brown Dwarves» للإشارة لحجمها وطاقاتها الضئيلين مقارنةً بغيرها من النجوم. أما النجوم التي تملك كتلةً أكبر من شمسنا، فإنّ أحجامها تستمر في الصغر، ويبدأ الهيدروجين بالتحول إلى هيليوم، وهذا ما يُعرف بالاندماج الحراري النووي، في هذه المرحلة تتحول تلك الأجسام إلى نجوم جديدة، وتبدأ المكوّنات السديمية حولها بالتجمع لتشكّل بعد مليارات السنين نظامًا شمسيًا متكاملًا.


ما هي النجوم؟ ومم تتكون؟

النجوم هي كرات مضيئة من البلازما تشدّ نفسها بواسطة جاذبيتها الخاصة، أقرب نجمٍ لأرضنا هو الشمس الخاصة بنا، وكثيرًا ما نرى عددًا من النجوم بالعين المجردة في سماء الليل الصافية، كأضواء مجمعةٍ في نقطةٍ مركزية واحدة، وذلك لبعدها الشاسع عنّا، وتمّ تقسيم هذه النجوم إلى كوكباتٍ (constellations) ومجماتٍ (Asterism).

الكوكبات هي مجموعة من النجوم التي تكوّن شكلًا ما في السماء، يوجد 88 كوكبةً تغطي كافة أنحاء القبة السماوية، وقد قام هنري راسل بمساعدة اتحاد الفلكيين العالمي في 1922 لتقسيمها، واحتفظت بعض هذه الكوكبات بالتسميات التي أُعطيت لها منذ القدم من الحضارات المختلفة، كما في كوكبة الجبّار، الأسد والعقرب.

أما المجمّات فهي مجموعة من النجوم تُرى في سماء كوكبنا، وقد تكون من كوكبةٍ واحدةٍ أو تنتج من أكثر من كوكبةٍ معًا، وقد لا تختلف التسمية كثيرًا بين “مجمة” و”كوكبة”، فمثلًا، تُسمّى ألمع سبع نجماتٍ في كوكبة الدب الأكبر بالاسم نفسه: أي مجمة “الدب الأكبر”، وقد تُستخدم كلمة كوكبة للتعبير عن النجوم والمنطقة من القبة السماوية المحيطة بها، بينما تُستخدم كلمة مجمة للتعبير عن النجوم فحسب.

مم تتكون النجوم إذًا؟ ربما لن تكون مستغربًا عندما تعرف أنّ النجوم تتكون من نفس المواد التي تكوّن كوننا، فهي تتألف تقريبًا من 73% هيدروجين، و 25% من الهيليوم أما ال 2% الأخيرة فهي تختلف باختلاف النجوم، إذًا النجوم تتشابه في معظم العناصر المركبة لها.

في البداية كان الانفجار العظيم، من حواليّ 13.7 مليار سنة، وُلد كوننا، وكان وضعه مشابهًا لمركز نجم، شديدُ الحرارة والكثافة، ولوقتٍ قصيرٍ حوّلت التفاعلات النووية الهيدروجين الموجود إلى هيليوم لنصل إلى النسبة التي نراها اليوم بينهما. واستمرّ الكون بالتوسّع وأخذت حرارته تنخفض، ثم بدأ الهيدروجين والهيليوم بالتجمع معًا لتشكيل النجوم الأولى، كانت هذه النجوم هائلة الحجم وربما انتهت بمستعرات عظيمةٍ Supernovae بعد ملايين السنين من تشكلها، بعض هذه النجوم شكّلت العناصر الأثقل التي نجدها على أرضنا اليوم، كالأوكسجين، الكربون، الذهب واليورانيوم.

منذ ذلك الحين وحتى الآن تتزايد النجوم وتتكاثر بعددٍ كبير، فحسب الفلكيين هناك خمس نجومٍ جديدةٍ تتشكل في درب التبانة كلّ سنة، تختلف بعضها بالعناصر الثقيلة التي تحملها، فتكون النجوم الغنيّة بالمعادن أمّا الأخرى فهي الفقيرة بالمعادن، ذات كتلةٍ أخفّ.

لماذا تشعّ النجوم بكلّ ذلك الضوء؟ يعود ذلك ببساطةٍ إلى التفاعلات النووية التي تجري داخلها، تفاعلات اندماج تحوّل الهيدروجين إلى هيليوم في مركز هذه النجوم، محررةً طاقةً تشعّ إلى الفضاء الخارجي، لمعرفة كيف تعمل هذه التفاعلات يمكنك مشاهدة الفيديو هنا.


اللمعان والطيف وهيرتزشبروج-راسل

الطيف Spectrum
الطيف Spectrum

يستطيع الفلكيون تحديد كتلة النجم، وعمره وتركيبه الكيميائي عبر مراقبة اللمعان الناتج عنها والطيف الخاص بها. تكون كتلة النجم ذات أهميّةٍ خاصة، لأنها تحدد المسار التطوريّ للنجم ونهايته الحتميّة لاحقًا. أما الخواص الأخرى، كالحرارة والحجم، فكلّها تتغير طول حياة النجم، ويوّضح مخطط هيرتزشبروج-راسل العلاقة بين عمر النجم ومرحلته التطورية مع حرارته ومقدار اللمعان الذي يشّعه.

لمعرفة هذا المخطط علينا أن نفهم أولًا ماذا يعني «الطيف» Spectrum.

الطيف هو النتيجة التي تحصل عليها بعد أن تقسم الضوء القادمة من جسمٍ مشعٍ إلى ألوان محددة أو أطوال موجيّة خاصة، لكنّ الطيف الذي نحصل عليه من نجمٍ ما هو عبارةٌ عن جمع طيفين مختلفين،  فالنجوم هي كراتُ غازٍ مستعرةٍ  تطلق طيفًا مستمرًا، أي أنّها تطلق ضوءًا في جميع الأطوال الموجيّة، لكنّ لهذه النجوم غلافٌ جوي محيّط بها، أي طبقاتُ غازٍ رقيقة أعلى الطبقات الكثيفة الداخلية، وتمتصّ هذه الطبقات الضوء عند أطوال موجيّة معيّنة حسب العناصر الموجودة فيها، وبالتالي نحصل على طيف مستمرٍ منبعثٍ من النجم، يحوي نطاقات مظلمة وفراغات، حسب العناصر المختلفة التي تمتص أطوال موجيّة مختلفة.

في البداية تمّ تصنيف النجوم حسب قوة نطاقات الهيدروحين، حيث أُطلق على الأقوى النجوم A والأقل B  ثم C  وهكذا، لكن في عام 1901 طُرح نظامٌ جديد، أسقط بعض التصنيفات القديمة، وأعاد ترتيب صفوف النجوم حسب قوّتها والشكل الناتج عن النطاقات المختلفة الممتصة من طيفها، هذا النظام قدمته لنا الفيزيائيّة آني كانون Annie Cannon .

ثم أضاف الفيزيائي ماكس بلانك حلّه لاختلاف الأضواء المنبثقة من النجوم، حيث أن النجوم تبعث أطوالًا مختلفة الموجة والألوان تبعًا لحرارتها، فالنجوم الحارة تشع ضوءًا في النهاية الزرقاء من الطيف، بينما تشعّ النجوم الأبرد ضوءًا يصل ذروته في النهاية الحمراء من الطيف. ثم جاءت سيسيليان باين جابوشكين Cecilia Payne Gaposchkin، عالمة الفلك البريطانيّة الأمريكيّة، وفي دراسة الدكتوراه التي طرحتها، شرحت كيف أنّ الطيف الذي يشعّه النجم يختلف حسب حرارته، والعناصر التي تتواجد في غلافه الجويّ، وهكذا استطاعت أن تنير طريق الفلكيين في اكتشاف تركيب النجوم المختلفة وخصائصها الفيزيائية المختلفة.

وبعد إعادة الترتيب أصبح التصنيف مختلفًا، وهو ما يزال يستخدم حتى اليوم، ولكن بالترتيب التالي : النجوم الأعلى حرارةً أخذت الرمز O يليها B ثم AوFو Gو Kو M. قد يبدو ذلك غريبًا، ولكنّ ذلك مايحدث عند إعادة الاستخدام.

كلّ مجموعةٍ من هذه المجموعات يتم تقسيمها إلى عشرة تحت مجموعات حسب حرارتها، كما أنّنا اكتشفنا بعض النجوم ذات الحرارة الأقل، وأعطيت الأحرف Lو T و Y. وتبلغ درجة حرارة سطح شمسنا 5500 درجةً مئويّة، وتصنّف G2،النجم الأكثر لمعانًا في سماء الليل يُصنّف كنجم A0.

 

المذنّبات؛ آلات الزمن الفضائية

ملاحظة نُشر هذا المقال لأول مرة على إضاءات

لم نتوقّف يومًا عن تأمل السماء مدهوشين بروعة الظواهر التي تجري في مسرحها، وما يُزيّنها من كواكبٍ ونجومٍ مختلفة، ثمّ ظهر شيءٌ جديد، مضيء كالنجوم، لكنه يجرّ وراءه ذيلًا طويلًا، يلمع ثم يختفي بسرعةٍ كما ظهر.

اليوم نحن نعرف الكثير عن تلك الضيوف الكونيّة (المذنبات) ونرحّب بقدومها في سمائنا، حتى دفع ذلك بعض العلماء أن يقرروا زيارتها أيضًا، لكن ما أُبهرنا به كان بالنسبة للفلكيين القدامى غريبًا فعلًا.

فلم يكن لدى الفلكيّين القدامى أي معلومات عن المذنبات، فالمذنبات نادرًا ما تُرى أكثر من مرةً في عمر الإنسان، وهذا أكسبها صفة الغموض رغم فهمهم البدائي للأجسام السماوية وطريقة تصرفها.

وككل شيء في السماء الزرقاء، تمّ اعتبارها أحيانًا جالبة تعس وسوء حظ، وأحيانًا أخرى جالبةً للحظ السعيد.

يعتقد بعض علماء الآثار أن الرسوم الموجودة في عدّة أماكن في أنحاء العالم، والعائدة للحقبة ما قبل التاريخيّة قد تمثّل رؤية أسلافنا للمذنبات. ففي أسكتلندا توجد رسوم للمذنبات تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، وكذلك في إيطاليا، كما توجد رسوم للمذنبات تعود للعصر الحديدي.

أطلق القدماء على المذنبات «النجوم ذات الشعر» بسبب الذيل المنبعث منها. ونحن في الحقيقة مازلنا نستخدم ذلك المصطلح حتى الآن، فالسحابة الغازيّة المنبعثة من المذنّب تُسمّى Coma، وهي الترجمة اللاتينيّة لكلمة «شعر» في اللغة الإغريقيّة. ومن كلمة Coma،  جاءت كلمة «Comet» وتعني المذنب.

لكن ما هي المذنبات؟

كرات الفضاء الثلجيّة، كما تُشَبّه هذه الأجسام الجليديّة النافثة للغبار والغاز، لكنّ الأبحاث الأخيرة دعت بعض العلماء لتسميتها بـ«كرات الغبار» الثلجيّة. وتحوي المذنبّات أحادي أكسيد الكربون، الغاز، الجليد، الأمونيا، الميثان وغيرها.

يُعتقد أن المذنبات صُنعت من قبل المواد الأوليّة لمجموعتنا الشمسيّة -أي ممّا يُقارب 4.6 مليار سنة – فعندما تشكّلت الشمس قامت بنفث المواد الأخفّ وزنًا (الغازات، الغبار) إلى الفضاء. ثم تجمعت هذه المواد (الغازات بشكل خاص) وتكثّفت لتشكل الكواكب الخارجيّة (المشتري، زحل، أورانوس، نبتون) وبعضها الآخر بقي في مدار بعيد عن الشمس في منطقتين اثنتين:

– سحابة أورط Oort Cloud: مساحة كرويّة الشكل على بعد 50000 وحدة فلكيّة عن الشمس. سُميت باسم الفلكيّ الهولنديّ يان أورط Jan Oort الذي اقترح وجودها.

– حزام كايبر Kuiper Belt: منطقة في مستوى المجموعة الشمسية خارج مدار بلوتو.

* الوحدة الفلكيّة: هي متوسط المسافة بين الأرض والشمس. وتساوي 149.597.870,691 كيلومتر (بدقة ± 3 متر).

مسار المذنب

عادة ما تكون المدّة اللازمة لمدار المذنب أقلّ من مئتي عام، مثل مذنب هالي Halley’s comet أو مذنبات طويلة المدار مثل هال-بوب Hale-Bopp comet. وعند اقتراب المذنب من الشمس فإنّ الجليد يبدأ بالتحوّل من الشكل الصلب إلى الشكل الغازي، يشابه ذالك الوضع تشكّل الضباب. وعندما يتبخر الجليد المشكّل للمذنب تتطاير ذرات الغاز والغبار بعيدًا عن الشمس مشكلةً ذيل المذنّب.

أجزاء المذنّب

تزداد حرارة المذنّب باقترابه من الشمس، وخلال ذلك يمكننا ملاحظة أجزاء متباينة:

1- النواة Nucleus
2- الذؤابة Coma
3- الغلاف الهيدروجيني Hydrogen Envelope
4- بالإضافة لذيليّ المذنب: ذيل أيونيّ Ion Tail، والذيل الغباريّ Dust Tail.

(1) النواة

هي المكون الأساسي في المذنّب، الجزء الصلب الذي يتكوّن من الجليد والغبار المغطّى بجزيئات داكنة، وتقيس النواة بين كيلومتر إلى عشرة كيلومترات قطرًا، لكن قد تصل إلى مئة كيلومتر، وقد يكون مركز النواة حجريّ البنيّة.

(2) الذؤابة

هي عبارة عن هالة من الغاز المتبخّر ( غبار الماء، أمونيا، أكسيد الكربون) والغبار الذي يحيط بالنواة. تتولّد الذؤابة عندما تزداد حرارة المذنب وهي تكبر حجم النواة بأكثر من 1000 مرةٍ أحيانًا، وربما تصل لحجم المشتري أو زحل (100,000 كيلومتر). تسمّى النواة والذؤابة معًا «رأس المذنّب».

تبدأ الذؤابة بالتشكّل عندما يصبح المذنب على بعد 5 وحدات فلكيّة عن الشمس، وتختفي عندما تبتعد أكثر من ذلك.

(3) الغلاف الهيدروجيني

أما ما حول الذؤابة، فتوجد طبقة غير مرئيّة من الهيدروجين تسمّى «الغلاف الهدروجينيّ»،  ويُعتقد أنّ هذا الهيدروجين يأتي من جزيئات الماء. ولهذا الغلاف شكل غير منتظم، وذلك بسبب تأثّره بالرياح الشمسيّة، كما أنّ حجم هذا الغلاف الهيدروجيني يزداد حجمًا بازدياد قرب المذنّب من الشمس.

(4) ذيول المذنّب

في الجانب المبتعد عن الشمس نرى الذيل الغباريّ، والذي يتألف من جزيئات غبار متناهيّة في الصغر، تبخّرت من النواة وتُدفع بعيدًا بواسطة ضغط أشعة الشمس.

هذا الجزء هو الأسهل للملاحظة لأنّه يعكس ضوء الشمس ولأنّه يمتدّ بطول ملايين الكيلومترات. غالبًا ما يتميّز هذا الذيل بشكله المنحني، ويمكننا تشبيه ذلك بانحناء الماء عند خروجه فوهة الصنبور بشكل منحنٍ.

الذيل الآخر الذي تمتلكه بعض المذنّبات يسمّى «الذيل الأيونيّ»، وأحيانًا يُطلق عليه اسم الذيل الغازيّ أو البلازميّ. يتكوّن هذا الذيل من جزيئات غاز- بخار الماء، أكسيد الكربون، نتروجين-مشحونة كهربائيًّا ومدفوعةٍ بعيدًا عن النواة بسبب الرياح الشمسيّة. يختفي الذيل الغازيّ أحيانًا ثمّ يعود للظهور عندما يصبح المذنّب في نقطة عكس اتجاه الحقل المغناطيسيّ للشمس.

ما الفرق بين الذيلين إذًا؟

بسبب أشعة الشمس الفوق البنفسجيّة، يتم تأيّن جزيئات الغاز المنطلقة من المذنّب، أي خسارة إلكترونات منها، وبالتالي تصبح مشحونةً كهربائيًّا. بسبب حملها لهذه الشحنة، فإنّ هذه الجزئيات تتأثر بالحقول المغناطيسيّة بشكل كبير. وعندما تصدم الريّاح الشمسيّة – تتدفقّ من الجزيئات المشحونة خارج من الشمس حاملةً حقلًا مغناطيسيًّا معها- جزيئات الغاز المأيّنة، فإنها تأخذ معها بعض هذه الجزيئات وتتجه بنفس الاتجاه التي انطلقت منه، بعيدًا عن الشمس، مشكّلة بذلك الذيل الأيونيّ.

في المقابل، فإنّ الغبار المنطلق من المذنب يتأثر بشكلٍ كبير بطاقة ضوء الشمس، وليس الرياح الشمسيّة. فيطبّق الضوء المنبعث من الشمس ضغطًا صغيرًا لكن مؤثرًا على هذه الجزيئات، ويؤدي لدفعها بعيدًا عن الشمس أيضًا، لكن لصغر الضغط المطبّق، فإنّ هذا الذيل يتحرّك بشكل بطيء بعكس الأيونيّ.

يمكننا تمييز الذيلين عن بعضها، وذلك يظهر في مذنب هال-بوب، حيث نرى الذيل الغباريّ بلونٍ أبيضَ أو أصفر، بسبب أشعة الشمس المنعكسة، بينما يظهر الذيل الأيونيّ بلون أخضر أو أزرق، بحسب الغازات المكونة له، فأكسيد الكربون يبثّ ضوءًا أزرق، بينما يصدر عن جزيئات الكربون لون أخضر.

يمكن أن يمتّد ذيل المذنب من عشرة لملايين من الكيلومترات، ولكن رغم طولها فإنّ هذه الأذيل قليلة الكثافة، والهواء الذي نتنفسه أكثر كثافة منها بملايين مليارات المرات.

في عام 1910 مرّت الأرض خلال ذيل مذنّب هالي، مما سبب الفزع في أوساط العامّة، ذلك لأن السيانوجين، الغاز السام، موجود في هذا الذيل! لكن لم يحصل شيء فعلًا، لأنّ كثافة هذا الذيل ومكوناته شديدة الصغر.

الذيل المعاكس Antitail

هو انبعاث يخرج من ذؤابة المذنّب ويتجه تحو الشمس، وبالتالي يعاكس اتجاه الذيول الأخرى، الأيونيّ والغباريّ.

يتشكّل هذا الذيل من جزيئات غبار كبيرة أقل تأثرًا بضغط الأشعة الشمسيّة وتبقى في مستوى مدار المذنّب ثم تشكل قرصًا على طول مدار المذنب بسبب سرعة إطلاقها من سطح المذنّب. عند مرور الأرض في مستوى مدار المذنّب، يظهر هذا القرص بشكل جانبيّ، ثم يظهر كانبعاث من المذنب. إذًا يمكن رؤية هذا الذيل المعاكس على الأرض لفترة قصيرة، عند مرور الأرض في مستوى مدار المذنّب.

ولا تكون معظم المذنّبات ذيلًا معاكسًا، لكن من تلك التي أظهرته المذنّب أريند-رولاند Arend-Roland في 1957، هال-بوب Hale-Bopp في 1997 وبانستارس PANSTARRS في 2013.

هطول الشهب

تترك المذنبات خلفها قشورًا متساقطةً منها مؤديّة لحصول الهطولات الشهابيّة على الأرض. على سبيل المثال، فإنّ هطول Perseid الشهابي الذي يحصل كلّ سنة بين 9-13 أغسطس سببه مرور الأرض في مدار مذنب Swift-Tuttle، أما أضخم هطول شهابيّ فهو هطول Leonids في عام 1833، بمعدل يفوق مئة ألف شهبٍ في الساعة، وهو مرتبطٌ بـالمذنب Temple-Tuttle وتكون ذروة هذا الهطول في الثامن عشر من نوفمبر.

كيف تحصل المذنبات على أسمائها؟

تُسمّى المذنبات عمومًا باسم مكتشفها، سواء كان شخصًا أو سفينة فضائيّة. وتمّ وضع هذه الإرشادات الخاصة باتحاد الفلك الدوليّ في القرن الماضي فحسب، أي ما زلنا مبتدئين فعليًّا. على سبيل المثال، المذنّب شوميكر-ليفي9، سُميّ بذلك الاسم لأنّه كان المذنب التاسع قصير المدار، وتمّ اكتشافه من قبل إيجوجين وكارولين شوميكير Eugene and Carolyn Shoemaker مع ديفيد ليفي David Levy. وبعض المذنبات تُسمى باسم المركبات التي اكتشتف وجودها، مثل LINEAR، SOHO و WISE.

WISE: Wide-field Infrared Survey Explorer

SOHO: Solar and Heliospheric Observatory

LINEAR: Lincoln Near-Earth Asteroid Research

كيف نصنّف المذنّبات؟

يتم تصنيف المذنبات تبعًا لمدارها حول الشمس إلى:

1- المذنبات قصيرة الدورة: والتي تستغرق دورتها حول الشمس أقل من 200 عام. تدور هذه المذنبات حول الشمس في نفس المستوى الذي تدور فيه الكواكب حول الشمس وبنفس الاتجاه أيضًا.

2- المذنبات طويلة الدورة: وهي التي تستغرق دورتها أكثر من قرنين حول الشمس. تكون مدارات هذه المذنبات مائلةً ومتعرّجة.

3- المذنبات أحاديّة الظهور: تكون مداراتها بشكل «قطعٍ مكافئ»، وهي غير مرتبطة بجاذبيّة الشمس، أي أنّ مدارها يأخذها إلى خارج المجموعة الشمسيّة.

المذنّبات أيضًا تتحطم

عندما تمرّ المذنبات في الجزء الداخلي من مجموعتنا الشمسيّة فإنّ جاذبيّة الأخ الكبير، المشتري، تستطيع أن تحطّم بعضها إلى أجزاء متناثرة.

حطّمت جاذبيّة المشتري المذنب شوميكير-ليفي9 Shoemaker-Levy إلى 20 جزءًا، كلّ منها ارتطم بالمشتري، وكانت تلك من أكثر الحوادث الكواكبيّة المذهلة في التاريخ.

تسافر معظم المذنبّات على مسافةٍ آمنة من الشمس، فمذنب هالي الشهير في أكثر نقطة من مداره قربَا من الشمس يكون على بعد 89 مليون كيلومترًا منها، لكن بعد المذنّبات التي تُدعى sungrazers تتحطم داخل الشمس أو تصل إلى مسافة قريبةً جدًا من نجمنا الكبير، لتتبخر قبل الوصول إليه. كما حصل مع المذنب LINEAR، فقد تحطّم إلى قطعٍ صغيرةٍ بواسطة جاذبيّة الشمس عندما ارتطم بها.

على المذنّب

دراسة المذنّبات من الأرض صعبةٌ جدًا، فالذؤابة تحجب النواة مما يجعل رؤيتها بشكلٍ مباشر أمرًا مستحيلًا.

المشكلة إذًا هي دراستها «من الأرض»، لكن ماذا لو أرسلنا تلسكوبًا إلى الفضاء؟ قمنا بذلك لأول مرة في الثمانينات من القرن الماضي، في المرة الأخيرة التي جاء بها المذنّب هالي. تُمّ إرسال سفينة فضائيّة للمرور بجانب المذنب، واستطاعت المهمة السوفيتيّة Vega 1 التقاط صورٍ للنواة. أظهرت الصور منخفضة الدقّة كتلةً سوداءَ تحمل نقطتين مضيئتين، تبين لاحقًا أنّها مصادر  انبعاث نفثات الغاز من المذنب.

تمّ استخدام الصور لتحديد مكان النواة، وبعد عدة أيام قام مسبار الفضاء الأوربي Giotto بالمرور بجانب النواة والتقاط صور على مسافة قريبةٍ جدًا، 600 كيلومترٍ فقط!

أوضحت هذه الصور الأكثر تفصيلًا بنية النواة، جبلٌ طائر، كتلة ججريّة  بقياس 8*15 كيلومتر في المساحة، ولا تعكس إلا 4% من الضوء الساقط عليها. ربمّا تعتقد أن الجليد يجب أن يكون ناصعًا ولامعًا، لكن الوضع ليس بهذه البساطة.

فمعظم نواة مذنب هالي مغطّاة بغبار كثيف وجزيئات داكنة، وبضع مناطق فقط تطلق الغاز. أغلب الظنّ أن يكون مخزون الجليد تحت القشرة، وقليلٌ منها يحصل على الدفء اللازم من الشمس ليتبخّر وينفث الغاز.

تمّت ملاحظة ذلك مع غيره من المذنّبات أيضًا، فالغاز ينبعث من مناطق محددة من المذنب، مما يعني أن أسطح المذنّبات غير متجانسة، مختلفة بتغيّر المناطق السطحيّة.

أهميّة المذنبات

في عام 2004 مرّ مسبار الفضاء الخاص بناسا Stardust داخل ذؤابة المذنب Wild 2 جامعًا عيّنات للعودة بها إلى الأرض. وبالتحليل الدقيق في هذه المواد تمّ العثور على المواد العضويّة، جزيئات تحوي الكربون فيها، وليس جزيئات بسيطةً فحسب، بل أخرى معقّدة، كالأحماض الأمينيّة، وهي اللُبنات الأساسيّة في الحياة على كوكب الأرض، فالأحماض الأمينيّة هي المكونات الأساسيّة في تخليق البروتين.

ومن الممكن أن مكوّنات الحياة على كوكبنا لم تكن موجودةً فيه بدايةً، بل تمّ إحضارها على متن المذنّبات إليه، أو حتّى أن يكون بعضها جاء على هذه المذنّبات، فهل يعني ذلك أن جزءًا من أصل الحياة في كوكبنا، فضائيّ؟

تقوم مهمّة روزيتا بالعمل على استكشاف أهميّة المذنبات وإمكانيّة وجود دورٍ لها في إيصال المواد الأساسية للحياة إلى كوكبنا، وذلك بمراقبتها للمذنب، وحتى بإنزال المسبار فيلي لدراسته بقرب، بقرب جدًا!

ويمكننا التفكير بالمذنبات بكونها بوابات زمنيّة، تسمح لنا بالعودة والتفتيش في ماضٍ سحيق يعود لأربعة مليارات سنة في الماضي، مختبرين أسرار وأصل الحياة، السؤال الذي طالما حيّر العلماء، هل يكون جوابه في الفضاء؟

هوكينج: الخروج من الثقب الأسود ممكن!

نُشر المقال لأول مرة على موقع إضاءات

يرى العلماء أن كلّ ما في الكون هو معلومات يتم تشفيرها ونسخها، كالصبغيات في الخلايا البشرية وهي المعلومات التي تكون الكائن البشري، وترتيب الذرات التي تكوّن جسمًا معيّنًا، كل ذلك هو «معلومات». وقد بدأت المعلومات بالظهور في كوننا منذ لحظة الإنفجار العظيم ومازالت في تزايدٍ حتى الآن.

حسب الفيزياء الكمومية فإن هذه المعلومات لا تدمر ولا تفقد أبدًا، وهو ما يظن العلماء أنه يحدث في الثقوب السوداء، لكن تغيرت نتائج الأبحاث حول المعلومات التي تدخل إلى الثقب الأسود خلال العقود الماضية، هل تتدمر نهائيًا؟ أم تخرج بشكلٍ آخر؟

مفارقة خسارة المعلومات في الثقوب السوداء:

ككل شيء موجود في كوننا، يجب أن تملك الثقوب السوداء سجلًا يحفظ طريقة تشكلها، أي أن تحتفظ بمعلومات النجم الذي تولّدت منه، بالإضافة لمعلومات كل شيء سقط فيها منذ تشكّلها، لكن إن كانت فعلًا تتبخر كما قال هوكينج سابقًا، فهل هذا يعني أن المعلومات دُمرت واختفت؟

حاول الفيزيائيون إيجاد طريقة تستطيع بها المعلومات الإفلات من الثقب الأسود عبر إشعاعات هوكينج، لكن الثقوب لا تستطيع تحميل المعلومات لهذه الإشعاعات.

ظهرت المفارقة بشكل سطحي في أوائل سبيعنات القرن الماضي عندما نتج عن عمل «ستيفن هوكينج – Stephen Hawking»، و«جاكوب بيكينشتاين – Jacob Bekenstein» أنّ هذه الثقوب السوداء ليست فعلًا سوداء، بل وجدوا -حسب الفيزياء الكمومية- أنّ هناك أزواجًا من الجسيمات وأضداها تتولّد عند أفق الحدث، ثم تفترق ليلتقف الثقب الأسود أحد الزوجين وينطلق الآخر إلى الفضاء.

يعني ذلك أنّ الثقب الأسود ينتج «جسمًا»، وتُسمى هذه الجسيمات المنطلقة «إشعاعات هوكينج – Hawking radiations».

وحسب نظرية هوكينج، بمرور الوقت تتبخر الثقوب السوداء بهذه الطريقة تاركة «فراغًا لا يحتوي شيئًا» مكانها، ولكنّ هذا يعدّ معضلة كبيرةً للفيزياء الكمومية، والتي بحسبها: «المعلومات لا تُخسر ولا تُدمّر».

حاول الفيزيائيون إيجاد طريقة تستطيع بها المعلومات الإفلات من الثقب الأسود عبر إشعاعات هوكينج، لكن المشكلة هي عدم قدرة الثقوب السوداء تحميل المعلومات لهذه الإشعاعات. حسب النظرية النسبية العامة، فإنّ الثقوب السوداء تحمل خصائص بسيطة فقط: الكتلة، الشحنة، والتسارع الزاويّ (نفس تسارع النجم الذي نتجت عنه).

في 2004، قام «سمير ماثور» من جامعة أوهايو وزملاؤه بتقديم نموذج للثقوب السوداء حسب «نظرية الأوتار الفائقة – String Theory» -التي تقول أنّ الكون مؤلّف من أوتار صغيرة مهتزة، وليس من جسيمات بالغة الصغر- واعتمادًا على هذه النظريّة فإنّ الثقوب السوداء تصبح مجموعة هائلة من الأوتار، وتقوم إشعاعات هوكينج بحمل أجزاء من المعلومات الموجودة في داخل أوتار الثقب الأسود.

الثقوب السوداء غير موجودة فعلًا:

نشر هوكينج ورقةً علميّةً كتب فيها؛ «لا وجود للثقوب السوداء»، ثم يشرح مستطردًا أنّ «لا ثقوب سوداء كالتي نعرفها، حيث لا مهرب حتى للضوء منها».

إذًا فالثقوب السوداء مازالت موجودة، لكن الاختلاف هو في خصائصها، إن كانت ورقة هوكينج صحيحة. «لا يمكنك الهروب من الثقب الأسود في النظرية الكلاسيكية» يقول هوكينج، لكن حسب الفيزياء الكمومية فإنّ المعلومات والطاقة يمكنها الخروج من الثقب الأسود، وكلّ ذلك يحتاج الكثير من النظريات والدمج بين الجاذبية وقوى الطبيعة الأخرى.

بعد اكتشافها من قبل عالم الفيزياء النظريّة «جوزيف بولتشينسكي – Joseph Polchinski»، برزت مفارقة الحائط الناري للثقوب السوداء، وهي الرد النظريّ على معضلة سقوط رائد فضاء في ثقب أسود.

يظهر أفق الحدث حول الثقب الأسود كحلّ رياضيّ لنظريّة النسبية العامة لـآينشتاين، وأول من أشار إليه الفلكي «كارل شفارتزفيلد» –الذي سُميّ قطر الأفق باسمه فيما بعد- حسب هذه النظريّة، فإنّ رائد الفضاء المسكين يسقط دون أن يعرف ماذا حصل له عبر أفق الحدث، ليتمّ جذبه تدريجيًّا إلى داخل الثقب الأسود ويتمّ تمطيطه بسبب الجاذبية الكبيرة للمتفرّدة، ليتطاول كالسباغيتي بسبب الفرق في التأثير للشد الجذبويّ الممارس على الطرف الأقرب للثقب الأسود وهذا ما يُسمّى بالـ«Spaghettification»، وفي النهاية يصلّ إلى المتفرّدة ويتحطمّ هناك.

لكن بعد تحليل هذه الحالة من قبل «بولتشينسكي» وفريقه حسب قوانين الفيزياء الكموميّة، التي تدرس الجسيمات الدقيقة، وحسب هذه النظريّة فإنّ أفق الحدث يجب أن يكون جدارًا ناريًا يحرق رائدنا المسكين محوّله إلى بقايا فحم.

لكن حسب النظرية النسبية لآينشتاين، فإنّ السقوط الحر للرائد داخل الثقب الأسود، سيبدو للمراقب بنفس الطريقة من جميع المواقع، سواء كان المراقب يسقط أيضا في الثقب الأسود أو كان يطوف في الفضاء الفارغ، أي حسب آينشتاين والنسبيّة العامة فإنّ أفق الحدث مكان عاديّ جدًا لا يختلف عن أيّ مكان في الفضاء.

في الـ22 من يناير/ كانون الثاني 2014، طرح هوكينج ورقةً بحثيّةً باسم «الحفاظ على المعلومات والتنبؤ بالطقس للثقوب السوداء – Information preservation and weather forecasting for black holes»، طرحها بناءً على حديث قدمّه في معهد كافيلي للفيزياء النظرية في أغسطس/ آب 2013. يمكنك مشاهد العرض الذي قدّمه هوكينج: هنا.

ولحلّ مشكلة الجدار الناري، اقترح هوكينج شيئًا غريبًا، فألغى وجود «أفق الحدث – Event Horizon» واستبدله بمفهوم آخر هو «الأفق الظاهري – Apparent Horizon» الذي لا يقوم بفعل الأفق السابق، الذي يحبس الأشياء داخله إلى الأبد، وبهذا فإنّ عبارة «لا ثقوب سوداء» في كلام هوكينج، تعني الثقوب السوداء بمفهومها الكلاسيكي الذي يمنع الأشياء من الخروج ويحبسها داخله.

ويمكن تعريف الأفق الظاهري بأنّه المساحة الموجودة حول الثقب الأسود، والتي عند محاولة الأشعة الضوئية الإفلات منها، فإنها لا تستطيع المغادرة وتبقى محتجزةً هناك. ومبدئيًا يمكننا التفريق بين الأفقين بأن زيادة المواد التي تُبتلع من قبل الثقب الأسود ستؤدي لزيادة حجم أفق الحدث أكثر من ذلك التأثير الحاصل على الأفق الظاهريّ.

عبارة «لا ثقوب سوداء» في كلام هوكينج، تعني الثقوب السوداء بمفهومها الكلاسيكي الذي يمنع الأشياء من الخروج ويحبسها داخله.

يقول «دون بايج – Don Page» الفيزيائي وخبير الثقوب السوداء في جامعة ألبيرتا والمشارك لهوكينج في أعماله في سبعينيات القرن الماضي، «إنّه من التطرّف القول بعدم وجود أفق حدث، لكن تحت الظروف الكموميّة.

وبسبب الغموض الذي يلّف موضوع الزمكان، نحن لانستطيع تحديد المنطقة المسمّاة فعلًا، أفق الحدث». لكن بايج مازال مترددًا بشأن مشاكل أفق الحدث، وأنّها قد تحدث بسهولة أيضًا في مفهوم الأفق الظاهريّ.

ويمكن للأفق الظاهري، بعكس أفق الحدث، أنّ يختفي في النهاية –رغم أن هوكينج لم يفسر كيفية اختفاء الأفق الظاهري في ورقته- وهذا يؤدّي ببايج للاعتقاد بأنّ هوكينج يفترض أنّه من الممكن لأيّ شيء الخروج من الثقب الأسود، فإنّ تقلصّ هذا الأفق إلى حجم معيّن، تحت تأثير كلا النظرية الكمومية، والجاذبية يمكن بعده أن يتلاشى ليخرج ما كان داخل الثقب، لكن ليس بالشكل الذي دخل فيه طبعًا.

إذا كان هوكينج محقًا، فمعنى ذلك أنه قد لا توجد حتّى «متفرّدة – Singularity» في مركز الثقب الأسود. مما يعني أنّ المادة ستكون فقط محتجزة خلف الأفق الظاهري، تتحرك ببطء شديد إلى الداخل بسبب جاذبية الثقب الأسود، ولكنها لن تصل أبدًا إلى المركز، بينما لا تتدمر المعلومات المتعلقة بتلك المادة، بل تغادر الثقب الأسود عن طريق إشعاع هوكينج.

بالرغم من ذلك فإنها ستكون مُشوشة ومختلفة تمامًا عن الحالة التي دخلت بها الثقب الأسود، مما يجعل من الصعب جدًا معرفة حالتها، أو ماهيّتها قبل أن يبتلعها الثقب الأسود. وفي ورقته البحثيّة يقارن هوكينج الوضع بتنبؤات الطقس، والتي نظريًّا هي شيءٌ ممكنٌ نقوم بفعله وعرضه في نشراتنا الإخباريّة يوميًّا، لكن فعليًّا فإنّ الأمر شديد الصعوبة ولا يعطينا نتائج فائقة الدقّة.

لكن بولتشينسكي ما زال مشككًا بوجود ثقوب سوداء دون أفق حدث في الطبيعة، ويقول «حسب نظريّة الجاذبيّة آينشتاين، فإنّ أفق الثقب الأسود ليس مختلفًا عن أي مكان آخر في الفضاء، ونحن لانرى تقلّبات الزمكان في باحتنا الخلفيّة في الكون، بل نحتاج لمساحة أوسع بكثير لرؤية ذاك الأثر، حيث يختفي أفق الحدث».

مفارقة المعلومات مرةً أخرى 2015

قدّم هوكينج ما يعتبره الحلّ لمفارقة خسارة المعلومات، خلال جلسة في معهد (KTH) الملكي للتكنولوجيا في ستوكهولم في 25 أغسطس/ آب. حسب اقتراح هوكينج فإنّ المعلومات لا تُحفظ في داخل الثقب الأسود كما يعتقد المرء، بل على العكس، توجد المعلومات على حدود الثقب الأسود، عند أفق الحدث.

ويمكننا تخيّل أفق الحدث بشكل كرة تحيط بالثقب الأسود، حيث لا يمكن للجزيئات عند الوصول إليه النفاذ خارجًا،  ويقترح هوكينج أنّ معلومات النجم المولّد للثقب الأسود ومعلومات الجسيمات التي تصل لأفق الحدث تُترجم إلى هولوغرام -أيّ وصف ثنائيّ الأبعاد لجسم ثلاثيّ الأبعاد-، وتتوضع هذه المعلومات بشكلها الجديد على سطح أفق الحدث. وهذا ما سمّاه بالترجمة الفائقة أو «التحوّل الفائق – Supertranslations».

هذا التحوّل الفائق يتضمن معلومات الجسيمات الداخلة إلى الثقب الأسود، وهكذا لا نخسر المعلومات المحتواة في الثقب الأسود. إذًا يمكن لإشعاعات هوكينج حسب هذا الاقتراح أن تحمل بعض من المعلومات المُخزنة على محيط الثقب الأسود عند إصدارها منه سامحةً للمعلومات بالخروج.

هذا التحوّل الفائق لن يكون بلا ثمن، فمعلومات الأجسام الداخلة تخرج لكن بطريقة وشكل فوضويّين مختلفيين بشكلٍ كليٍ عن الأصل، وهكذا نظريًا تمّ حلُّ مفارقة المعلومات، ولكن فعليًا فخروج المعلومات بهذه الشكل يعني ضياعها، أو على الأقل ضياع شكلها.

وفي النهاية نذكر لكم ما قاله هوكينج حوال احتمالية كون الثقوب السوداء مفاتيح لأكوان أخرى:

«لا تفقد الأمل إن كنت تشعر أنّك في داخل ثقب أسود، هناك طريقٌ للخروج، قد تكون الثقوب السوداء بوابات لعوالم أخرى، لكن لحصول ذلك يجب أن يكون الثقب كبيرًا ومتحركًا، لكنّ أعلم أنّك بالتأكيد لن تعود إلى كوننا هذا نفسه، ورغم أنني أودّ تجربة الطيران في الفضاء، إلا أنني لا أفضل تجربة ذلك داخل الثقب الأسود».

سيقوم هوكينج وزملاؤه لاحقًا بنشر الورقة العلمية التي تشرح نظريتهم الجديدة تلك في الأشهر القادمة.

الثقوب البيضاء: ما هي؟ وما علاقتها بالثقوب السوداء؟

 

ملاحظة: نُشر هذا المقال لأول مرة على موقع إضاءات

في البداية أوّد أن أنوّه أن معظم ما سنتحدث عنه اليوم نظريّ بحت، ولقراءة أفضل، أنصحك بالعودة وقراءة المفاهيم العامة للثقوب السوداء في مقالي السابق:

الثقوب السوداء: ماذا تعرف عن وحوش الفضاء المرعبة؟

عند الوصول إلى نقطة اللاعودة، عند حدود الثقب الأسود -والتي تُسمّى أفق حدث الثقب الأسود- يسقط الجسيم نحو الهاوية المعروفة باسم «المتفرّدة-singularity» ليضيع داخل الثقب الأسود. لكن هل تساءلت عن وجود معاكسٍ لهذه الثقوب؟ علماء الفيزياء النظرية دائمًا ما يفكرون في تلك الافتراضات البعيدة.

«الثقب الأبيض – White Hole»؛ هو المعاكس الزمني النظري للثقب الأسود. فبإمكانك دخول الثقب الأسود من الخارج، بينما لا يمكن دخول الثقب الأبيض من خارجه أبدًا. يتشابه الثقبين (الأسود والأبيض) كثيرًا، حيث يتألّف كلاهما من المكوّنات نفسها.

المتفرّدة ذات الجاذبية الهائلة، وأفق الحدث. يكمن الاختلاف الأساسي بين الثقبين هنا بالتحديد، عند اتجاه مرور المادة عبر أفق الحدث. يقوم أفق حدث الثقب الأسود بابتلاع المادة المتوجهة نحوه ومنعها من الخروج مرةً أخرى، بينما ينبذ أفق حدث الثقب الأبيض أي مادة متجهة نحوه، بل حتى تلك الموجودة داخل حدوده.

يُعرّف العلماء الثقب الأبيض بأنّه «المعاكس الزمني النظري للثقب الأسود-theorized time reversal of a black hole»، فبإمكانك دخول الثقب الأسود من الخارج، بينما لا يمكن دخول الثقب الأبيض من خارجه أبدًا، كما أنّ الثقب الأسود هو مكان اختفاء المادة التي تتوجه نحوه، بينما تظهر مواد جديدة في الكون بدءًا من الثقب الأبيض.

الثقب الدودي

يظهر مفهوم الثقب الأبيض في شرح مفهوم الثقب الدودي. فالثقب الدودي يتكون من ثقب أسود من جهة، يقوم بجذب المادة وسحبها إليه، وثقب أبيض في الجهة المقابلة، يقوم بطرد المادة منه. هذه الثقوب الدوديّة غير مستقرة فعليا، فهي تزول من الوجود عند تفاعلها مع المادة، وهي -الثقوب الدودية- موجودة فقط كحلٍّ لمعادلات آينشتاين، عندما لا تتفاعل المادة مع الثقب.

نحن نعلم أن الثقوب السوداء الحقيقية تتشكل عند انتهاء الوقود النجمي، بينما تتقلص الثقوب البيضاء وتتخلص من المادة، لذلك من غير الممكن فعليا أن توجد متصلة بالثقوب السوداء، فوجود المادة الساقطة في الثقوب السوداء سيؤدي لاختفاء كليهما.

في الطريق إلى الثقب الأسود

عندما يصل «جزيء» إلى أفق حدث الثقب الأسود -حيث لا عودة بعد ذلك- يصبح حاضر ومستقبل ذاك الجزيء داخل الثقب الأسود. ولا أمل لنا في رؤية هذا الجزيء مرة أخرى تحت تأثير كثافةٍ كتلك، فأي ضوء ينبعث من هذا الجزيء سيفقد طاقته وستتزايد أطوال الأمواج الضوئية المنبعثة منه شيئًا فشيئًا حتى تختفي، وتصبح غير قابلة للرصد.

في الواقع إن استطعنا مراقبة الجزيء خلال سقوطه فإنه سيستغرق زمنًا لانهائيًا للوصول إلى أفق الحدث -أو هكذا يبدو لنا- أما بالنسبة للجزيء نفسه، السقوط سيكون سريعًا، بدون أي أثر على الوقت والزمن في تلك النقطة بالنسبة للجزيء نفسه.

نظريًا الثقوب البيضاء ممكنة

إذا كانت الثقوب السوداء بابًا باتجاهٍ واحد -نحو النسيان التام- فيا ترى، هل هناك بابٌ مقابلٌ للخروج؟

حسب نظرية النسبية العامة -النظرية المعتمدة للجاذبية خلال الـ100 عام السابقة- الفرق بين الماضي والمستقبل غير موجود فعليًا، اتجاه مرور الزمن ليس مهما في النظرية النسبية. كذلك الأمر في فيزياء نيوتن، فهي لا تهتم بمجرى الوقت، إذا فكرة «الثقوب البيضاء» مقبولة نظريًا في كلا النظريتين.

كمقابلتها، تمتلك الثقوب البيضاء «أفق حدث» لكن المميز فيه أنّ لا شيء يستطيع الدخول إليه، بعكس أفق حدث الثقب الأسود، ذلك لأنّ أفق حدث الثقب الأبيض موجود في الماضي، وأي جسيم يخرج منها ستتزايد طاقته نظريّا بغض النظر عن طول الموجة الذي يشعّها. وإذا ظهر جسيم إلى الوجود داخل أفق الحدث للثقب الأبيض، فإنّ مصيره الطرد خارجًا.

هل فعلًا تتواجد الثقوب البيضاء في الطبيعة؟ وإن كانت خيالًا؛ فماذا نستنتج من ذلك عن تناظر الزمن؟

كما تكلمنا سابقًا عن الثقوب السوداء، فهي موجود بكثرة في الكون، تقريبًا تحوي كل مجرة كبيرة ثقبًا أسود فائق الضخامة في نواتها، بالإضافة لبضع ثقوب سوداء صغيرة أخرى. أما بالنسبة للثقوب البيضاء، فهي موجودة نظريًا، ولم يستطع العلماء حتى الآن رصدها في الطبيعة مما لا يتيح تأكيد أو نفي وجودها.

لكن في عام 2006، تم رصد انبعاث لأشعة غاما تميّز بمدته الطويلة نسبيًا (102 ثانية) -أي زمن أطول حتى من زمن انفجارات السوبرنوفا (المستعرات العظمى)- في الوقت الذي لم يتواجد فيه أيّ انفجارات نجمية في ذلك المكان.

يُقترح الآن أنّ هذا الحدث هو بالفعل قد يكون «ثقبًا أبيضًا» ظهر للوجود نافثًا بعض المادة، ثم انهار على نفسه بانفجار ضخم. رغم أنّ هذا التفسير ليس الأكثر قابلية للحدوث، لكنه دفع علماء الفلك في التفكير مرة أخرى في المستحيل عمليا الممكن نظريًا، الثقوب البيضاء.

كيف تتشكل الثقوب البيضاء؟

المشكلة الأكبر تكمن في التفكير بكيفية تشكل الثقوب البيضاء. الثقوب السوداء تتشكل نتيجة انهيار النجم تحت تأثير الجاذبية الخاصة به، بعد أن ينتهي وقوده من الغازات والتفاعلات النووية الناتجة عن اندماجها. في تلك الحالة ينهار النجم ليشكل نقطة شديدة الكثافة، شديدة الجاذبية، لا يستطيع حتى الضوء الإفلات منها، ويتشكل بذلك الثقب الأسود.

كل الثقوب السوداء -بما فيها الثقوب السوداء الفائقة الضخامة والتي تعتبر أثقل بملايين أو بلايين المرات من الثقوب السوداء العادية- جميعها تنتج عن الانهيار تحت قوى الجاذبية، سواء كانت نجمًا هائل الحجم مولودًا في بداية الكون، أو غيمة كبيرة من الغازات في نواة مجرة بدائيّة، كلّها تتبع نفس الظاهرة. لكن لتشكيل ثقب أبيض نحتاج لشيء مشابها لانفجار جاذبية عظيم، وليس من الواضح فعلًا كيفية حدوث ذلك!.

احتمال آخر هو أن تكون الثقوب البيضاء «لصيقة» بأختها السوداء. لتُنتج الثقب الدودي الذي تحدثنا عنه مُسبقًا. للأسف تشكّل «الثقب الأبيض» بهذه الطريقة لا يحلّ المشكلة -نظريًّا- أي مادة تسقط في الثقب الدودي -الذي حسب طبيعته يكون غير مستقر فعلًا- ستؤدي لانهياره مغلقة الطريق بين الثقب الأبيض والأسود.

تناظر الزمن

إذًا فعليًا، نحن نعرف أن كوننا يحوي الكثير من الثقوب السوداء لكن لا بيضاء بينها، ذاك ليس بسبب عدم تناظر الزمن، لكن بسبب طبيعة الانهيار الجاذبي، هو يسير باتجاه واحد فقط.

حتى الآن؛ الثقوب البيضاء والانكماش العظيم، والثقوب -الممرات- الدودية، كلها قابلة للتطبيق نظريًا -حسب نظرية النسبية العامة- لكن ذلك لا يعني أنها موجودة في الطبيعة.

هذا الوضع يتكرر في أكثر من حالة في كوننا. فبداية كوننا حسب الإنفجار العظيم كانت نقطة متفرّدة، لكن الأدلة على الانسحاق العظيم ضئيلة جدًا. أن تنكمش المادة مرة أخرى في نقطة وحيدة في المستقبل البعيد، هذا لأن الكون مستمر في التباعد والتوسع بشكل لا نهائيّ بسرعة متزايدة -وذاك بسبب أثر الطاقة المظلمة- أي لا نهاية متناظرة للكون، حيث لن يعود كل شيء إلى نقطة متفردة كما بدأ.

بشكلٍ ما؛ يشبه الإنفجار العظيم الثقب الأبيض في جوانب عديدة، وربما يكون الشيء الأكثر شبهًا له. فهو يقع في الماضي بالنسبة لأي مراقب في الكون، وكل شيء يتوسع ابتداءً من المتفردة الأولى، لكن لا يوجد «أفق حدث» للإنفجار العظيم –أي يعتبر حينها «متفرّدة مجرّدة»- فهي بذلك تمثل المنحى المعاكس لانهيار النجم بسبب جاذبيته.

عدم التناظر الموجود في نسيج الزمن، ليس صفة ذاتيةً خاصةً به، بل مكتسبة بسبب تصرفات المادة والطاقة. فالإنهيار الجاذبي في نهاية الزمن، والتوسع البِدْئي في البداية، كلها تحتاج لدراسة أعمق ما زال الفيزيائيون يحاولون الوصول لمعنى مناسب لها.

الارتداد الكمومي

نطرح تساؤلًا: هل الثقوب السوداء؛ بيضاء؟

تقترح إحدى الفرضيات الأخرى أنّ الثقوب السوداء؛ تتحول بمرور الزمن إلى نظيرتها البيضاء، حيث يحدث التحوّل من الثقب الأسود إلى الأبيض مباشرةً بعد تشكّل الثقب الأسود نفسه، لكن بسبب تمطّط الوقت تحت تأثير الجاذبية، فإنّ تحوّل الثقب الأسود -بالنسبة لمراقب الخارجي- سيستغرق مليارات من السنين إن لم يكن تريليونات!.

إن كان هذا الافتراض صحيحًا؛ فذلك يعني أن الثقوب السوداء التي تشكلت في المراحل الأولى من تاريخ كوننا القديم؛ ستكون جاهزة للظهور لأعيننا الآن، ويمكننا الكشف عنها بشكل أشعة كونيّة عالية الطاقة.

عند وصول النجم المنهار إلى نهاية حياته واتخاذه الطريق المؤدي للوصول لحالة «الثقب الأسود»، فإنه يستمر في التقلص في نقطة -المتفرّدة- شيئًا فشيئًا. لكن حسب هذه الفرضية؛ فإنّ النجم يصل لنقطة لا يمكنه التقلص بعدها، وحينها يطلق ضغطًا، يسميه أصحاب الفرضية «الارتداد الكمومي – Quantum Bounce»، وعندها يتحول الثقب الأسود إلى أبيض.

قام بعض منظّري «علم الكون الكمومي الحلقي-Loop quantum cosmology» بوضع بعض المعادلات الرياضية التي لا تشرح فقط انهيار النجم نحو ثقب أسود، بل انهيار كونٍ كامل. ووجدوا أن الكون كله يمكن أن يرتد، واقترحوا أن «الإنفجار العظيم» الخاص بكوننا قد يكون «ارتدادًا عظيمًا» أيضًا ناتجًا عن تحول ثقب أسود إلى آخر أبيض في كون أُم، وهذا ما يعرف بـ«ـنظرية الأكوان الوليدة».

مشكلة ضياع المعلومات

إذا تحولت الثقوب السوداء إلى ثقوب بيضاء، وأصدرت جميع مكنوناتها مرة أخرى؛ فإن ذلك قد يوفر حلًا لإحدى أصعب مشكلات الفيزياء الأساسية. في العام 1970، وجد عالم الفيزياء النظرية «ستيفن هوكينغ» -وفقا لحسابات قام بها- أن الثقوب السوداء تخسر طاقتها ببطء أثناء انكماشها حتى تختفي. خسارة هذه الطاقة تتم فيما يعرف باسم «إشعاعات هوكينغ».

يقول الفيزيائي النظري «ستيفين غيدينغز»:

إن فهم كيفية إفلات المعلومات من الثقوب السوداء هو المفتاح الرئيس لفهم ميكانيكية الثقوب السوداء نفسها، وربما استيعاب الجاذبية الكمومية أيضًا.

ذاك يعني أن جميع المعلومات التي حملتها المادة التي سقطت في الثقب الأسود ستختفي إلى الأبد؛ مخالفةً بذلك أحد أهم قواعد النظرية الكمومية: لا يمكن للمعلومات أن تُدمر. يقدّر الوقت المطلوب -حسب معلوماتنا الحالية- لتحوّل الثقب الأسود إلى أبيض بالنسبة لمراقب داخلي بحوالي آلاف الثواني.

فلو كان الوقت يمضي بسرعة، بالنسبة لمراقب خارجي، فإن ذلك يعني أن كل الثقوب السوداء التي تشكلت قد انفجرت واختفت، وهذا يعارض الملاحظات الفلكيّة. وإن كان الوقت اللازم طويلًا فعلًا؛ فإن التحول سيكون مستحيلًا منطقيًا، لأن الثقب الأسود قد تبخر سابقًا بسبب «إشعاعات هوكينغ». على سبيل المثال، فإن ثقبًا أسودًا بحجم شمسنا يحتاج حوالي 3 ترليونات ضعف من عمر الكون الحالي، للتحول إلى ثقب أبيض.

في النهاية، أحب أن أكرر أن موضوع الثقوب البيضاء هو موضوع نظري يحتاج الكثير من التفكير والبحث. فنحن نتكلم عن شيء لم يُرصد حتى الآن، وربما لن يُرصد. بعض العلماء يعتقدون أن الثقوب البيضاء قد توجد فعلًا وتكون جزءًا من مفهوم أكثر تعقيدًا –الأكوان الولودة-، لكن تلك قصة أخرى لوقتٍ آخر.