حكمة هابيل، أو مذهب ابن آدم الأول

قصاصات صغيرة من كتاب مذهب ابن آدم الأول لجودت سعيد

جودت سعيد

درس الكاتب السوري جودت سعيد في كلية اللغة العربية في الأزهر، ويعتبر البعض كتابه الذي سأطرحه اليوم أول محاولة لصياغة مفهوم لا عنفي في الإسلام حسب ما ذكره موقع قنطرة.

وكثيرًا ما يذكر سعيد مالك بن نبي، المفكر والكاتب الجزائري المشهور، وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد إقبال، أي ما يُمكن تصنيفه بالمدرسة الإصلاحيّة.

وفي كتابه “مذهب ابن آدم الأول: مشكلة العنف في العالم الإسلامي” يناقش سعيد أسباب العنف ومبدأه اللاعنفي ويفرّق بين حال من يدعو لإنشاء المجتمع الإسلامي وبين من يمثل المجتمع الإسلامي المتميز الخاضع للإسلام.

لقراءة الكتاب بشكل كاملٍ يمكنكم التوجه لموقع جودت سعيد وتحميل الكتاب مجانًا.

ولن أناقش الكتاب بشكلٍ كبيرٍ هنا، ولكن سألخص لكم أهم الأفكار فيه.

هل لدى المسلم مبرر الحياة والموت

يعدد الكاتب في هذا الفصل المبررات الممكنة والمعقولة التي قد يضحي بها “المسلم” بحريته وحياته، فيبدأ بذكر المنشورات السرية وجمع الأسلحة، وينفي أن يكون هذا مبتغى المسلم.

وينتهي الكاتب إلى أن هم المسلم ومبادئه هي نشر الرسالة، رسالة الله، وفيها لا يخشَ المسلم أحدًا. ويقول الكاتب:

وفي الوقت الذي يصير كتمان الحق واجبًا وفريضةً يمكنه أن يخالف هذا الواجب وهذه الفريضة باطمئنان.

ولا مانع، تبعًا لسعيد، أن يكون ذنب المسلم كذنب ابن آدم الأول، أن يتقبل الناس دعوة الله منه وأن لا يتقبل من الآخرين دعواهم الباطلة. ويذكر قول الله تعالى:(لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين).

المقصود من مذهب ابن آدم الأول

وعدد سعيد في هذا الفصل معايير مقاصده بالمذهب:

  • ألا يكون ذنبه الدعوة إلى قتل أو اغتيال.
  • ألا يكون للمسلم ذنب إلا أن يتقبل الناس دعوته إلى الله.
  • ألا يعرض الإنسان رأيه بالقوة على الآخرين وألا يتنازل عن رأيه خوفًا من القوة.
  • ألا يتخذ المسلم في دعوته إلى الله طريقًا غير التي سار عليها الأنبياء.
  • فيتحمل المسلم بذلك الآلام من أجل دعوته ولا يفرض مبادئه على الآخرين بالآلام.
  • بذل النفس في سبيل هداية الآخرين وإرشادهم
  • ضرب المثل للخلق في التمسك بالمبدأ.
  • وأخيرًا: لا تتبنى شيئًا ولا تلتزمه إلا إذا كنت مستعدًا لالتزامه وتبنيه في كل وقت وعلى مشهد من الناس جميعًا.

من يعمل لبناء المجتمع الإسلامي ومن يمثله

يناقش هنا سعيد من يقارعه بالابتعاد عن آيات الجهاد والقتال، فيرد بعدم نسخه أو تعطيله لهذه الآيات حقًا، ولكنه فرق بين حالين اثنين:

  1. حال من يدعو لإنشاء المجتمع الإسلامي والحيلولة دون إفساده
  2. حال من يمثل المجتمع الإسلامي المتميز الذي أسلم وخضع للإسلام.

وألزم نفسه بالحال الأول فقط ليبتعد عن الآخر. ويضرب مثل حد السرقة، ألا وهو قطع اليد. ويناقش من يتهمه بتعطيل آيات الله في هذا المجال، فالعيش في مجتمع لا يعاقب السارق بقطع يده لا يعني إبطال وتعطيل آيات الله، بل إبطال واجب التبليغ عن آيات الله.

بعض الأنبياء لم يتجاوز عملهم البناء

يذكر سعيد هنا من ينتقدون الإسلام ويصفونه بدين الحرب ويصفون المسيحية بدين السلام، أنّهم لم يراقبوا تطور الدعوة، فكما في الإسلام وصل موسى للمرحلة الثانية، اما عيسى عليه السلام فلم تتجاوز دعوته المرحلة الأولى.

ويذكر وردًا من الإنجيل فيه ذكر للترهيب:

لا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض بل سيفًا، فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه.

متى ١٠-٣٤

ويجدد سعيد تأكيده بأنه لم يعطل القتال والجهاد، فهو مستمر ولكن يجب على المسلم أن يعلم متى يجوز له أن ينفذ حدود الله. وانتقد سعيد الجماعات الإسلامية التي تحاول استخدام الجهاد والتي تسببت بذلك لضرر وتفريط عظيم.

عمل من يبني الحياة الإسلامية

يبدأ جودت سعيد بذكر أفعال وأعمال الأنبياء، ويأخذ نوحًا مثلًا. فنوح دعا قومه بالسلام ونشر الهدى والبينات بشكلٍ سلمي لمدة طويلة، ولم يعزل على قتالهم، إنما عزم على الصبر.

ويركز سعيد على دعوة موسى ومواجهته فرعون، ودخول الرجل المؤمن للدفاع عنه واستنجاد فرعون ببطانته لقتل موسى. واستنبط هنا سعيد أهمية دعوة موسى وتأثيرها في النفوس.

وهنا يذكر سعيد مقطعًا مهمًا قد يراه المرء في عصرنا اليوم:

وإننا نرى أن كل الطواغيت عندما يريدون أن يحكموا على أي داعية يلجؤون إلى اتهامه بالإرهابيّة أو الاغتيال، فهم يفتشون دائمًا في سجله التاريخي لعلهم يجدون فيه ما يدينه.

ويُسقط سعيد ذلك على زمننا هذا ويقول:

كيف تكون ضدنا وقد أنعمنا عليك فأطعمناك وكسوناك ومنحناك الوظائف ثم تجحد هذه النعمة وتكفر بها؟ ألم نربك فينا وليدًا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين؟

والدعوة تكون لتوحيد الله والدعوة إليه، ولم يستعن الأنبياء بشيء إلا بالتبليغ والبيان. والتبليغ المبين حسب سعيد هو العلاج الوحيد لانحراف وجهل المجتمع.

خطورة كتمان الحق

ويرى سعيد سوء الكتمان وتفظيع ارتكابه، بل أن عقوبته، حسب سعيد، تفوق عقوبة تارك الصلاة. فالبلاغ المبين رصيد إصلاح المجتمع المنحرف للعودة للصواب، أما الحدود والجهاد فهي لرفع المظالم.

ويعتقد سعيد بضرورة ترويض النفس المسلمة على البلاغ المبين وعدم الانجرار وراء استعمال القوة والعنف.

تهمة الإرهابية وأوضاع المسلمين إزاءها

قسم جودت سعيد الدعاة إلى تهمة الإرهابية ثلاثة أصناف:

الأول من يرى أنه لا مانع من العنف بل ربما يراه واجبًا، فتصبح المشكلة بينه وبين المسلمين الآخرين.

الصنف الثاني من لا يرَ القيام بهذه الأعمال، ولا يجرؤون على تبني العمل السلمي. فهم لم يهيئوا الجو الطاهر لإبعاد التهمة ومن السهل إلصاقها بهم.

أما الصنف الثالث فهم دعاة لا يحملون أفكار الصنف الأول وواضحون أكثر من الثاني، ليبتعدوا بذلك عن تهمة الإرهاب.

ويكمل جودت لنقاش شبهات مذهب ابن آدم الأول ويبدأ بالأولى

شبهة تعطيل الجهاد

ولا يعتقد جودت سعيد أن السلمية تعطل الجهاد، فالجهاد مستمر حتى قيام الساعة، وإن الاعتقاد بأن الإسلام لا يمكن أن يقبله الناس إلا إذا أرغموا خاطئ، فنسي من ينسبون تلك الشبهة لمذهب ابن آدم واللاعنفيين بذلك البرهان العقلي والبلاغ المبين.

شبهة عدم جدوى الأخلاق مع من لايلتزمها

يقول البعض أن لا جدوى للأخلاق السامية إن كان الذين تعاملهم لا يلتزمونها. وهذه نظرة تشاؤمية، لا تفرق بين المعتدين والمظلومين ولا تعطي ثقةً للعقل الإنساني في التمييز بين الحق والباطل.

شبهة قول الحق من غير قوة لا أثر له

يُذكر سعيد بطريقة الأنبياء بالدعوة، فهم لم يبدؤوا بالحرب ولا بالقوة، وإن هذه الشبهة والفكرة مسيطرة على المسلمين من عباد القوة دون اعتبار الحجة والبلاغ المبين أمرًا مهمًا.

شبهة عدم التمكن من قول الحق من غير قوة

ويعود هذا التوقع من الحياة في جو فكري ملوث، فقدت فيه الموازين والقواعد التي يعتمد عليها الفكر في مقرراتها.

شبهة إماتة روح الجهاد بهذه الطريقة

بل إن تكليف المسلم بشيء لا يستطيع القيام به تفقده الشوق إليه، فلا ينظر إليه إلا بالتقديس الظاهري الغيبي الذي لا يجد له أثرًا واقعيًا.

شبهة أن الدافع إلى هذه الطريقة هو الخوف

وهو نقص في فهم إيجابية وفعالية الطريقة، فهي دخول وليست انسحابًا من الصراع، وتتوجب فهم معنى الإنسان ومعنى الحق.

شبهة التنصل من المسؤولية

وقصد أصحاب الشبهة خلو هذه الطريقة من الشجاعة والجرأة، لأن أصحابها لا يريدون التعرض للأذى. وهنا يرد سعيد بأنه نعم، يتفادى الأذى ولا يريد التعرض للخطر. والثانية أنّه ما من يعمل على هذه الطريقة يجد الصعوبات والمشقات أيضًا، ولكنها أقل وأريح للضمير عن المشقات الناتجة عن استخدام العنف.

شبهة اغتيال كعب بن الأشرف

وهذه الشبهة باطلة حسب سعيد، فالمجتمع كان مجتمعًا آخر تميز وملك زمام نفسه. فالحرب معلنة والمجتمع متميز.

شبهة إرعاب المسلمين

وهذه مشكلة المشكلات، ابتعاد المسلمين عن الإسلام، فالمرض هو الجهل وعجزهم يعكس حيرة المشرفين على توجيههم وتعليمهم. بل إن سبب خوف الناس وانفصالهم عن الدعوة إلى الإسلام هو ما اقترن بالدعوة من أعمال العنف التي تجعل المحنة قاسية غير مجدية.

شبهة قولهم ذهب سدى

وهنا يستشهد بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام:” أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”

فالخطأ في المفاهيم وليس في الطريقة.

شبهة التهور والتوريط

ليس المتهور الذي يقول الحق ويتبناه بنفسه ولايخفيه، بل المتهور الذي يقوم باستعمال القوة سواء أنه ينجو منها أو لا ينجو فهو الذي تهور وورط نفسه.

مزايا مذهب ابن آدم الأول

  • تكوين الجو الصحي: فهو صمام الأمان لتهيئة الجو المناسب الخالي من جو الصراع ومن تهمة العدوان.
  • فرد واحد يمكن أن يقوم بها: كما بدأ الأنبياء، يبلغون رسالة الله ويعلمون الناس الحق ويصبرون على أذية الناس.
  • منافعها عامة للمتخاصمين ومضارها لا يتحملها إلا من تبناها.
  • كسب قوة الموقف الصريح الواضح: وتكسب أيضًا الشعور أمام الآخرين بالصراحة والاتزان النفسي.
  • إزالة الرهبة من السجن: فمن يسجن من أجل هذه الطريقة لا يخاف أن يكشف عمله أحد لأنه فعلًا مكشوف.
  • السجن لا يخاف منه لذاته: الإنسان يخاف من أن تنزل عليه المحن لا لذاتها بل لأسبابها. فالإنسان مفطور على أن يضحي.
  • تجريد المخالف من حججه: لكشف حقيقة من يحمل العداوة للإسلام والذي يتستر بتهمة الإرهابية.
  • استخلاص النماذج البشرية الفاضلة إلى صف الحق والسير بركبه
  • إيقاظ روح الاجتهاد والاستيقاظ الفكري.

ويكمل سعيد بالحديث والتفريق بين الإسلام وأفكار المسلمين. فهناك فرق كبير بين العقل المسلم وبين المجرد المُنزل، والإنسان وعقله في النهاية وليد عصره وظرفه وظرف مجتمعه.

وفي النهاية، لن يتجنب المسلم المِحن باتباع هذه الطريقة، بل رغم المحن وصعوبتها ستكون النتيجة فقط حينها مثمرة.

ملاحظة نهائية

لم أقرأ لمن اعترض عليهم الكاتب قبلًا، ولكن استطاع سعيد أن يبرز وجهة نظره هنا، فاللاعنف هو الأسلم والأفضل للاعنفي ولغيره، وهذا معروف ومفهوم.

هل العنف هو الحل؟ ربما تجد من يقول لك نعم، ولكن اتخاذ اللاعنف كطريقة وأسلوب ليس سهلًا بالتأكيد.

One comment

  1. واثق الشويطر (Watheq Alshowaiter)
    واثق الشويطر (Watheq Alshowaiter)

    شكرا لك على هذه المراجعة، وعلى هذا التقديم لمفكر إسلامي عظيم مثل جودت سعيد، ولو أن الجماعات الإسلامية تبنّت فكره لتجنبنا ويلات لا حصر لها..

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: