الثقوب البيضاء: ما هي؟ وما علاقتها بالثقوب السوداء؟

الثقوب البيضاء: ما هي؟ وما علاقتها بالثقوب السوداء؟

 

ملاحظة: نُشر هذا المقال لأول مرة على موقع إضاءات

في البداية أوّد أن أنوّه أن معظم ما سنتحدث عنه اليوم نظريّ بحت، ولقراءة أفضل، أنصحك بالعودة وقراءة المفاهيم العامة للثقوب السوداء في مقالي السابق:

الثقوب السوداء: ماذا تعرف عن وحوش الفضاء المرعبة؟

عند الوصول إلى نقطة اللاعودة، عند حدود الثقب الأسود -والتي تُسمّى أفق حدث الثقب الأسود- يسقط الجسيم نحو الهاوية المعروفة باسم «المتفرّدة-singularity» ليضيع داخل الثقب الأسود. لكن هل تساءلت عن وجود معاكسٍ لهذه الثقوب؟ علماء الفيزياء النظرية دائمًا ما يفكرون في تلك الافتراضات البعيدة.

«الثقب الأبيض – White Hole»؛ هو المعاكس الزمني النظري للثقب الأسود. فبإمكانك دخول الثقب الأسود من الخارج، بينما لا يمكن دخول الثقب الأبيض من خارجه أبدًا. يتشابه الثقبين (الأسود والأبيض) كثيرًا، حيث يتألّف كلاهما من المكوّنات نفسها.

المتفرّدة ذات الجاذبية الهائلة، وأفق الحدث. يكمن الاختلاف الأساسي بين الثقبين هنا بالتحديد، عند اتجاه مرور المادة عبر أفق الحدث. يقوم أفق حدث الثقب الأسود بابتلاع المادة المتوجهة نحوه ومنعها من الخروج مرةً أخرى، بينما ينبذ أفق حدث الثقب الأبيض أي مادة متجهة نحوه، بل حتى تلك الموجودة داخل حدوده.

يُعرّف العلماء الثقب الأبيض بأنّه «المعاكس الزمني النظري للثقب الأسود-theorized time reversal of a black hole»، فبإمكانك دخول الثقب الأسود من الخارج، بينما لا يمكن دخول الثقب الأبيض من خارجه أبدًا، كما أنّ الثقب الأسود هو مكان اختفاء المادة التي تتوجه نحوه، بينما تظهر مواد جديدة في الكون بدءًا من الثقب الأبيض.

الثقب الدودي

يظهر مفهوم الثقب الأبيض في شرح مفهوم الثقب الدودي. فالثقب الدودي يتكون من ثقب أسود من جهة، يقوم بجذب المادة وسحبها إليه، وثقب أبيض في الجهة المقابلة، يقوم بطرد المادة منه. هذه الثقوب الدوديّة غير مستقرة فعليا، فهي تزول من الوجود عند تفاعلها مع المادة، وهي -الثقوب الدودية- موجودة فقط كحلٍّ لمعادلات آينشتاين، عندما لا تتفاعل المادة مع الثقب.

نحن نعلم أن الثقوب السوداء الحقيقية تتشكل عند انتهاء الوقود النجمي، بينما تتقلص الثقوب البيضاء وتتخلص من المادة، لذلك من غير الممكن فعليا أن توجد متصلة بالثقوب السوداء، فوجود المادة الساقطة في الثقوب السوداء سيؤدي لاختفاء كليهما.

في الطريق إلى الثقب الأسود

عندما يصل «جزيء» إلى أفق حدث الثقب الأسود -حيث لا عودة بعد ذلك- يصبح حاضر ومستقبل ذاك الجزيء داخل الثقب الأسود. ولا أمل لنا في رؤية هذا الجزيء مرة أخرى تحت تأثير كثافةٍ كتلك، فأي ضوء ينبعث من هذا الجزيء سيفقد طاقته وستتزايد أطوال الأمواج الضوئية المنبعثة منه شيئًا فشيئًا حتى تختفي، وتصبح غير قابلة للرصد.

في الواقع إن استطعنا مراقبة الجزيء خلال سقوطه فإنه سيستغرق زمنًا لانهائيًا للوصول إلى أفق الحدث -أو هكذا يبدو لنا- أما بالنسبة للجزيء نفسه، السقوط سيكون سريعًا، بدون أي أثر على الوقت والزمن في تلك النقطة بالنسبة للجزيء نفسه.

نظريًا الثقوب البيضاء ممكنة

إذا كانت الثقوب السوداء بابًا باتجاهٍ واحد -نحو النسيان التام- فيا ترى، هل هناك بابٌ مقابلٌ للخروج؟

حسب نظرية النسبية العامة -النظرية المعتمدة للجاذبية خلال الـ100 عام السابقة- الفرق بين الماضي والمستقبل غير موجود فعليًا، اتجاه مرور الزمن ليس مهما في النظرية النسبية. كذلك الأمر في فيزياء نيوتن، فهي لا تهتم بمجرى الوقت، إذا فكرة «الثقوب البيضاء» مقبولة نظريًا في كلا النظريتين.

كمقابلتها، تمتلك الثقوب البيضاء «أفق حدث» لكن المميز فيه أنّ لا شيء يستطيع الدخول إليه، بعكس أفق حدث الثقب الأسود، ذلك لأنّ أفق حدث الثقب الأبيض موجود في الماضي، وأي جسيم يخرج منها ستتزايد طاقته نظريّا بغض النظر عن طول الموجة الذي يشعّها. وإذا ظهر جسيم إلى الوجود داخل أفق الحدث للثقب الأبيض، فإنّ مصيره الطرد خارجًا.

هل فعلًا تتواجد الثقوب البيضاء في الطبيعة؟ وإن كانت خيالًا؛ فماذا نستنتج من ذلك عن تناظر الزمن؟

كما تكلمنا سابقًا عن الثقوب السوداء، فهي موجود بكثرة في الكون، تقريبًا تحوي كل مجرة كبيرة ثقبًا أسود فائق الضخامة في نواتها، بالإضافة لبضع ثقوب سوداء صغيرة أخرى. أما بالنسبة للثقوب البيضاء، فهي موجودة نظريًا، ولم يستطع العلماء حتى الآن رصدها في الطبيعة مما لا يتيح تأكيد أو نفي وجودها.

لكن في عام 2006، تم رصد انبعاث لأشعة غاما تميّز بمدته الطويلة نسبيًا (102 ثانية) -أي زمن أطول حتى من زمن انفجارات السوبرنوفا (المستعرات العظمى)- في الوقت الذي لم يتواجد فيه أيّ انفجارات نجمية في ذلك المكان.

يُقترح الآن أنّ هذا الحدث هو بالفعل قد يكون «ثقبًا أبيضًا» ظهر للوجود نافثًا بعض المادة، ثم انهار على نفسه بانفجار ضخم. رغم أنّ هذا التفسير ليس الأكثر قابلية للحدوث، لكنه دفع علماء الفلك في التفكير مرة أخرى في المستحيل عمليا الممكن نظريًا، الثقوب البيضاء.

كيف تتشكل الثقوب البيضاء؟

المشكلة الأكبر تكمن في التفكير بكيفية تشكل الثقوب البيضاء. الثقوب السوداء تتشكل نتيجة انهيار النجم تحت تأثير الجاذبية الخاصة به، بعد أن ينتهي وقوده من الغازات والتفاعلات النووية الناتجة عن اندماجها. في تلك الحالة ينهار النجم ليشكل نقطة شديدة الكثافة، شديدة الجاذبية، لا يستطيع حتى الضوء الإفلات منها، ويتشكل بذلك الثقب الأسود.

كل الثقوب السوداء -بما فيها الثقوب السوداء الفائقة الضخامة والتي تعتبر أثقل بملايين أو بلايين المرات من الثقوب السوداء العادية- جميعها تنتج عن الانهيار تحت قوى الجاذبية، سواء كانت نجمًا هائل الحجم مولودًا في بداية الكون، أو غيمة كبيرة من الغازات في نواة مجرة بدائيّة، كلّها تتبع نفس الظاهرة. لكن لتشكيل ثقب أبيض نحتاج لشيء مشابها لانفجار جاذبية عظيم، وليس من الواضح فعلًا كيفية حدوث ذلك!.

احتمال آخر هو أن تكون الثقوب البيضاء «لصيقة» بأختها السوداء. لتُنتج الثقب الدودي الذي تحدثنا عنه مُسبقًا. للأسف تشكّل «الثقب الأبيض» بهذه الطريقة لا يحلّ المشكلة -نظريًّا- أي مادة تسقط في الثقب الدودي -الذي حسب طبيعته يكون غير مستقر فعلًا- ستؤدي لانهياره مغلقة الطريق بين الثقب الأبيض والأسود.

تناظر الزمن

إذًا فعليًا، نحن نعرف أن كوننا يحوي الكثير من الثقوب السوداء لكن لا بيضاء بينها، ذاك ليس بسبب عدم تناظر الزمن، لكن بسبب طبيعة الانهيار الجاذبي، هو يسير باتجاه واحد فقط.

حتى الآن؛ الثقوب البيضاء والانكماش العظيم، والثقوب -الممرات- الدودية، كلها قابلة للتطبيق نظريًا -حسب نظرية النسبية العامة- لكن ذلك لا يعني أنها موجودة في الطبيعة.

هذا الوضع يتكرر في أكثر من حالة في كوننا. فبداية كوننا حسب الإنفجار العظيم كانت نقطة متفرّدة، لكن الأدلة على الانسحاق العظيم ضئيلة جدًا. أن تنكمش المادة مرة أخرى في نقطة وحيدة في المستقبل البعيد، هذا لأن الكون مستمر في التباعد والتوسع بشكل لا نهائيّ بسرعة متزايدة -وذاك بسبب أثر الطاقة المظلمة- أي لا نهاية متناظرة للكون، حيث لن يعود كل شيء إلى نقطة متفردة كما بدأ.

بشكلٍ ما؛ يشبه الإنفجار العظيم الثقب الأبيض في جوانب عديدة، وربما يكون الشيء الأكثر شبهًا له. فهو يقع في الماضي بالنسبة لأي مراقب في الكون، وكل شيء يتوسع ابتداءً من المتفردة الأولى، لكن لا يوجد «أفق حدث» للإنفجار العظيم –أي يعتبر حينها «متفرّدة مجرّدة»- فهي بذلك تمثل المنحى المعاكس لانهيار النجم بسبب جاذبيته.

عدم التناظر الموجود في نسيج الزمن، ليس صفة ذاتيةً خاصةً به، بل مكتسبة بسبب تصرفات المادة والطاقة. فالإنهيار الجاذبي في نهاية الزمن، والتوسع البِدْئي في البداية، كلها تحتاج لدراسة أعمق ما زال الفيزيائيون يحاولون الوصول لمعنى مناسب لها.

الارتداد الكمومي

نطرح تساؤلًا: هل الثقوب السوداء؛ بيضاء؟

تقترح إحدى الفرضيات الأخرى أنّ الثقوب السوداء؛ تتحول بمرور الزمن إلى نظيرتها البيضاء، حيث يحدث التحوّل من الثقب الأسود إلى الأبيض مباشرةً بعد تشكّل الثقب الأسود نفسه، لكن بسبب تمطّط الوقت تحت تأثير الجاذبية، فإنّ تحوّل الثقب الأسود -بالنسبة لمراقب الخارجي- سيستغرق مليارات من السنين إن لم يكن تريليونات!.

إن كان هذا الافتراض صحيحًا؛ فذلك يعني أن الثقوب السوداء التي تشكلت في المراحل الأولى من تاريخ كوننا القديم؛ ستكون جاهزة للظهور لأعيننا الآن، ويمكننا الكشف عنها بشكل أشعة كونيّة عالية الطاقة.

عند وصول النجم المنهار إلى نهاية حياته واتخاذه الطريق المؤدي للوصول لحالة «الثقب الأسود»، فإنه يستمر في التقلص في نقطة -المتفرّدة- شيئًا فشيئًا. لكن حسب هذه الفرضية؛ فإنّ النجم يصل لنقطة لا يمكنه التقلص بعدها، وحينها يطلق ضغطًا، يسميه أصحاب الفرضية «الارتداد الكمومي – Quantum Bounce»، وعندها يتحول الثقب الأسود إلى أبيض.

قام بعض منظّري «علم الكون الكمومي الحلقي-Loop quantum cosmology» بوضع بعض المعادلات الرياضية التي لا تشرح فقط انهيار النجم نحو ثقب أسود، بل انهيار كونٍ كامل. ووجدوا أن الكون كله يمكن أن يرتد، واقترحوا أن «الإنفجار العظيم» الخاص بكوننا قد يكون «ارتدادًا عظيمًا» أيضًا ناتجًا عن تحول ثقب أسود إلى آخر أبيض في كون أُم، وهذا ما يعرف بـ«ـنظرية الأكوان الوليدة».

مشكلة ضياع المعلومات

إذا تحولت الثقوب السوداء إلى ثقوب بيضاء، وأصدرت جميع مكنوناتها مرة أخرى؛ فإن ذلك قد يوفر حلًا لإحدى أصعب مشكلات الفيزياء الأساسية. في العام 1970، وجد عالم الفيزياء النظرية «ستيفن هوكينغ» -وفقا لحسابات قام بها- أن الثقوب السوداء تخسر طاقتها ببطء أثناء انكماشها حتى تختفي. خسارة هذه الطاقة تتم فيما يعرف باسم «إشعاعات هوكينغ».

يقول الفيزيائي النظري «ستيفين غيدينغز»:

إن فهم كيفية إفلات المعلومات من الثقوب السوداء هو المفتاح الرئيس لفهم ميكانيكية الثقوب السوداء نفسها، وربما استيعاب الجاذبية الكمومية أيضًا.

ذاك يعني أن جميع المعلومات التي حملتها المادة التي سقطت في الثقب الأسود ستختفي إلى الأبد؛ مخالفةً بذلك أحد أهم قواعد النظرية الكمومية: لا يمكن للمعلومات أن تُدمر. يقدّر الوقت المطلوب -حسب معلوماتنا الحالية- لتحوّل الثقب الأسود إلى أبيض بالنسبة لمراقب داخلي بحوالي آلاف الثواني.

فلو كان الوقت يمضي بسرعة، بالنسبة لمراقب خارجي، فإن ذلك يعني أن كل الثقوب السوداء التي تشكلت قد انفجرت واختفت، وهذا يعارض الملاحظات الفلكيّة. وإن كان الوقت اللازم طويلًا فعلًا؛ فإن التحول سيكون مستحيلًا منطقيًا، لأن الثقب الأسود قد تبخر سابقًا بسبب «إشعاعات هوكينغ». على سبيل المثال، فإن ثقبًا أسودًا بحجم شمسنا يحتاج حوالي 3 ترليونات ضعف من عمر الكون الحالي، للتحول إلى ثقب أبيض.

في النهاية، أحب أن أكرر أن موضوع الثقوب البيضاء هو موضوع نظري يحتاج الكثير من التفكير والبحث. فنحن نتكلم عن شيء لم يُرصد حتى الآن، وربما لن يُرصد. بعض العلماء يعتقدون أن الثقوب البيضاء قد توجد فعلًا وتكون جزءًا من مفهوم أكثر تعقيدًا –الأكوان الولودة-، لكن تلك قصة أخرى لوقتٍ آخر.

 

فرزت الشياح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: