جينات الفضاء: عندما يغيرك الفضاء على المستوى الجيني

ربما كان حبي للكواكب، أو على الأصح: كرهي لهذا الكوكب، لكن لطالما حلمت بالذهاب إلى الفضاء

جملة يقولها فنسنت فريمان، الشخصية الرئيسيّة في فيلم Gattaca، ولكن حلمه كان بعيد المنال، فهو يعيش في عالم يتم اختيار الأفراد لأداء المهام المختلفة حسب جيناتهم -المُحددة مُسبقًا- ففي ذلك العالم يولد الأشخاص وبعد 10 ثوانٍ يتمّ تحديد الأمراض التي سيصابون بها، بل حتى سبب الموت المُحتمل. وبمرض قلبيّ كالذي يعاني منه فنسنت، فإنّ السفر إلى الفضاء سيكون صعبًا.

ذلك كان ملخصًا عن فكرة الفيلم الأساسية، حيث يعمل البشر على تعديل جيناتهم وجينات أطفالهم قبل ولادتهم، للحصول على النتيجة المُثلى والأداء الأفضل. لما نصل إلى تلك الديستوبيا/يوتوبيا بعد (أترك الاختيار للقارئ هنا). نحن ما زلنا في بدايات استخدام تقنيات التعديل الجينية مثل كريسبر، ولم نصل إلى مرحلة نستطيع فيها تعديل جيناتنا لملاءمة الفضاء. وهنا تبقى اليد العليا للفضاء.

ولكننا اليوم  في عالم تسيطر عليه أخبار الفضاء، بين جيف بيزوس وإيلون ماسك –الذي يريد أن يقضي العطلة حول القمر– واكتشافات ناسا المتتالية لكواكب تشبه كوكبنا الأم، بل تقع في منطقة تدعم وجود الحياة. وقريبًا سنبدأ بالاستعداد للسفر طويل المدى في الفضاء، فهل نحن على علمٍ بجميع المخاطر التي تحدق بنا.. أو ربما بتلك التي تغيّر حتى جيناتنا؟

مهمة السنة الواحدة

في مارس من 2015، بدأت المهمة التي استمرت سنةً كاملةً تقريبًا (340 يومًا)، والتي شارك بها كل من رائدا الفضاء: الروسي ميخائيل كورنينكو والأمريكي سكوت كيلي. وبدأت معهما الدراسة التي ماتزال قيد البحث، ولم تنته حتى الآن. هدف الدراسة الأساسي هو تأثير الحياة في الفضاء لمدة طويلة على أجسام البشر، بما في ذلك صحة القلب والجهاز الوعائي، والوظائف الأساسية كالوضعية والتوازن. تُقارن هذه النتائج بدراسات أخرى لرواد قضوا ست أشهر فقط.

 

لكن لم تقتصر الدراسات على سكوت وكورنينكو، بل شملت الشقيق التوأم لسكوت، مارك كيلي، رائد الفضاء السابق في ناسا. تجربة التوأم ستكون تجربةً مهمةً في تاريخ ناسا، ومازالت النتائج تُدرس، بل لما تنته ناسا من الحصول عليها بعد.

للقيام بهذه الدراسة، جمعت ناسا الكثير من العينات من الأخوين سكوت، وتأمل بمقارنة هذه العينات أن تصل إلى معرفة التغييرات التي يسببها الفضاء للجسم البشري.

لكن ما أهمية هذه المعلومات وهذه الاختبارات كلها؟ بالتأكيد ستلعب هذه الدراسة دورًا مهمًا عند وضع الخطط لإرسال البشر نحو الكواكب البعيدة، أو فلنبدأ بالقريبة منها، المريخ على سبيل المثال. فناسا تخطط لرحلة تستمر لمدةٍ طويلة، عبر الفضاء وفي مدى المريخ ومن ثم على سطحه. وخلال طول مدة هذه الرحلة سيتعرض الجسم لتغييرات في الجاذبية، بين الجاذبية الميكروية وجاذبية المريخ، التي تعادل ثلث الجاذبية هنا على كوكب الأرض. تخيل معيّ الحياة والعمل بشكل يوميّ تحت هذه الجاذبية.

ثم هناك طريق العودة إلى الأرض، وانتظار تراصف الكواكب لاختيار الوقت الأقصر والمسافة الأقرب بين المريخ والأرض، لرحلة قد تستغرق ستة أشهر. وبسبب الدراسات السابقة لحياة رواد الفضاء في المحطة الفضائية الدولية، فقد تم معرفة تأثير الجاذبية المختلفة على الفيزيولوجيا البشرية، فالعضلات تبدأ بفقدان جزء من كتلتها، وتصبح العظام أقل كثافة، وتؤدي زيادة الضغط داخل الجمجمة إلى تغييرات بصرية. ولمواجهة كل هذه التغييرات، يقوم رواد الفضاء بالتدريب لمدة ساعتين يوميًا بالإضافة لاتباع حمية صارمة.

حتى التيلومير

وجد العلماء أنّ التيلومير (مقارنةً مع مارك) في الخلايا الدموية البيضاء قد ازداد طولًا في الفضاء، وربما يكون ذلك نتيجة التدريب والحمية التي اتبعها سكوت. والتيلوميرات هي قطع خاصة موجودة في نهاية الصبغيات، تساهم في حماية الحمض النووي، ولكنها تقصر شيئًا فشيئًا مع انقسام الخلايا. أي مع كل انقسام تقصر هذه التيلوميرات، وكلما قصرت، قصرت معها مدة حياة الخلية.

ويقول جون تشارلز John Charles، العالم الرئيسي في برنامج الأبحاث البشرية في ناسا: «علينا معرفة أهمية أنّ زيادة طول التيلوميرات ليس شيئًا جيدًا بشكلٍ عام، بل هو مرتبط بأمراض أخرى، لكن لم تكن الحالة هكذا هنا»

أما بالنسبة للمؤشرات الالتهابية، فقد ازدادت الأخيرة بشكل كبير عند سكوت، في الفضاء وأثناء العودة إلى الأرض، وربما يعود ذلك بسبب الضغط الجسدي الذي مر به جسم سكوت عند العودة والهبوط.  فقد انخفض تشكّل العظام في جسم سكوت في النصف الثاني من المهمة، بشكلٍ مشابه لما نراه في مرض ترقق العظام، كما عانى سكوت من ضمور في العضلات بسبب انعدام الجاذبية.

وطالت بعض التغييرات DNA سكوت، وهذا قد يؤدي بدوره لاكتشاف الجينات المتأثرة بالعوامل البيئية، وبالتالي تجنب مشاكلها. سر آخر لم نكشف سببه حتى الآن، هو «مثيلة» الحمض النووي، أي إضافة الميثيل إلى جزيئات الحمض النووي، للتحكم بالطريقة التي تعبر فيها الجينات عن نفسها، ووجدوا أن هذه الآلية انخفضت عندما كان سكوت في المدار، لكن ازدادت عند مارك في الوقت نفسه من المهمة.

ويشرح تشارلز لمجلة جيزمودو : «إن المثيلة هي عملية تشبه القاطع الكهربائي، لإيقاف عمل أجزاء محددة ولمنع نسخها، وعند قياس هذه العملية نستطيع معرفة نشاط الجينات في الظروف المختلفة، لمعرفة أي أجزاء من الجينات يتم إهمال قراءتها ونسخها، ذلك لأن الجسم لا يحتاج لهذه البروتينات المُخزنة شفراتها على هذه الجينات. وبدراسة هذه الآلية، نفهم تأثير السفر الفضائي على المستوى الجيني».

ولم تشمل الدراسة الحمض النووي فحسب بل حتى الميكروبيوم في الأمعاء، فقد أظهرت الدراسة اختلافًا في نسب المجموعات البكتيرية بين التوأم عندما كان سكوت في الفضاء، وعادت إلى نسبها الطبيعية عند عودته إلى الأرض. وفي جميع الأحوال أكدت الدراسات وجود نتائج مختلفةً بين التوأم.

أما الأشعة الفضائية، فهي تُعد ربما من أكبر الأخطار على خلايانا أيضًا. فحسب ناسا، فإن هذه الأشعة تسبب أخطارًا عديدة على الجسم، كالغثيان والإقياء وحتى في بعض الأحيان قد تصل خطورة هذه الإصابات إلى بعض المشاكل العصبية المركزية، والتي ربما تودي بحياة الأشخاص أحيانا.

ومن مخاطر التعرض المستمر بشكل طويل لهذه الأشعة هي الإصابة  بالساد Cataract، وزيادة احتمال الإصابة بالسرطان. فالخلايا التي تموت، يتم تعويضها، أما تلك التي تتغير بشكل كبير، دون إصلاح الطفرات، فهي تتزايد وتتكاثر لإنتاج خلايا غير طبيعية تشببها، مما يزيد خطر السرطان بشكر كبير. وإن حصلت هذه الطفرات في خلايا جنسية (النطاف والبيوض) فإنها ستؤدي لأمراض وطفرات في الأبناء.

هناك طريقتان أساسيتان تؤذي الأشعة بها الخلايا:

  • يمتص الماء الموجود في الجسم كميات كبيرة من الإشعاعات ويتأيّن، مما يؤدي لظهور الجذور الكيميائية الحرّة عالية القدرة على التفاعل، والتي تقوم بدورها بالتفاعل مع الحمض النووي لتكسر الروابط الفيزيائية.
  •  تأثير الإشعاع بشكلٍ مباشر على جزيء الحمض النووي.

إذن ما الحل؟ هل سنصبح كائنات أخرى عندما نسافر في الفضاء؟ هل يغيرنا الفضاء بشكلٍ كبير على المستوى الجزيئي والجيني عندما نسافر لسنوات عديدة في تلك الجاذبية المنخفضة؟ ربما، لكن ربما نستطيع باستخدام تقنية كريسبر، وغيرها من التقنيات التي نطوّرها من مكافحة هذه التغييرات وتعديلها، والوصول لبنية مُثلى لجينات تُقاوم تأثيرات الفضاء المختلفة عليها؟

ولكن في تلك الحالة، هل نعيد خلق كابوس فنسنت؟ ربما، وقد يكون الجواب أقرب إلينا مما نعتقد فعلًا.

 

ملاحظة: نُشر هذا المقالة لأول مرة على موقع إضاءات

الإعلانات

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.