ست ساعاتٍ وكوب من اللبن المثلج

لم يمر شهرٌ بعد على لقاءنا الأخير، لكنها ألّحت وبشدّة، فالامتحانات قادمة، والصيف قادم وسينشغل الجميع ولن يتبقى وقت للقاء مجددًا.
أردت اللقاء فعلًا، لكن ذلك سيكلفني الكثير من الوقت والتعب، السفر إليس سهلًا من مدينتي، فأنا في “آخر معامر الله” كما تقول هي.

هي تستطيع الخروج الأربعاء، أنا لابد لي من أخذ إذنٍ رسمي لترك المشفى، لكن لا بأس…خلال الأسابيع الثلاثة الماضية قضيت أكثر من 7 أيام خارج مدينتي الصغيرة، وهذا شيء لو تعلمون عظيم..ومتعب..أكاد أحسّ أن حياتي هي فترات مقتطعة بين محطات القطار المختلفة..

“أرجوك، تعال.”
حجزت البطاقة، ولم أخبرها، كان عليّ أن أترك الأمر للحظة الأخيرة، نعم أحبّ الدراما هذا طبعي الشخصيّ.
-هل ستأتي غدًا؟
– ربما
– قل بصدق
– سأكون عندك غدًا، الساعة العاشرة والنصف
لم تصدقني، ربما ..
أعددت حقيبتي، شحنت الحاسوب والهاتف والبطارية الخارجية والسماعات، تبًا لكلّ تلك الأشياء التي نحتاجها، والتي ترهق ظهرنا وقلبنا، تبًا لكلّ شيءٍ. متى سيخترع ماسك تلك البطارية التي لن تنضب؟

خمس ساعات، أنتقل فيها من قطارٍ إلى آخر، كانت السيدة سونيا معي في القطار الأول، هي تسافر في عطلة إلى سويسرا، ولحسن الحظ أننا سنركب القطارين الأوليين معًا، ساعدتها في حمل حقائبها وانطلقنا معًا إلى المدينة الأولى (لم أحفظ اسمها) ومن ثم إلى إيرفورت.
شربت كأس القهوة الأول، بعد علبة الريدبول الأولى، ومن ثم حبتين من الكافيين لأبقى مستيقظًا.
في قطاري إلى المدينة الكبيرة، شاهدت محاضرةً كاملةً عن التصوير المقطعي للدماغ، بالطبع لم أفهم شيئًا، فأعدت الاستماع مرةً ثانية، خمس ساعاتٍ من السفر مدة طويلة.

وصلت إلى المحطة، رن هاتفي
“سأتأخر بعض الشيء، أنا آسفة حقًا”

تبًا لها، تبًا لخمس ساعات قطعتها من أجلها.
نزلت من القطار، المحطة كبيرة جدًا، تتصل: أين أنت؟ الرصيف رقم 6.
أنتظر..ثم أنتظر..ثم أنتظر..تبًا، كل هذا الانتظار ولم يمضي من الوقت سوى 3 دقائق؟

في بعض الاحيان يمر الوقت كحجر ثقيلٍ على صدرنا، لا يتحرك إلا بشق الأنفس.

-أين أنت؟
لم يكن هناك داعٍ للرد، فقد كانت قادمةً، مرتديةً قميصها الأبيض وبنطالها الزيتيّ، لم أكن يومًا خبيرًا بالألوان..لن يتغير ذلك اليوم، أنا نصف أعمى.

لا أحب المصافحة أبدًا، لكن لا بأس.
تحدثنا عن الطريق الطويل التي قطعته هي، حوالي 40 دقيقة، وعن طريقي، حوالي 277 دقيقةً فقط! هل تعرف هي شيئًا عن المدينة؟ طبعًا لا..أنا؟ طبعًا لا..هي بنا نضيع معًا،
يقول كوهين:
And you want to travel with her, and you want to travel blind

ماذا سنفعل؟ لا أعرف حقًا؟ نمشي..ونمشي..ونمشي..في مربع لا يتجاوز طول ضلع كيلومترًا واحدًا..
تريد أن تشرب القهوة، نجلس ، تقرر أن نأكل اللبن المثلّج مع الفاكهة، أوافق. نجلس.
تريد الجلوس في الأعلى، نذهب إلى هناك، نكتشف أنّ القسم العلوي هو جهنم صغيرة.
نجلس خارجًا، تريد التحدث بشيء مهم، اهزّ برأسي، تتكلم عن الله عن الكون عن الأنبياء، عن يوسف عن إبراهيم وعن يعقوب، تخبرني برأيها أو بما تعتقد أنّه رأيها، أسمع وأهز برأسيّ، أحبّ رؤيتها وهي تتكلم بحماسة وحبّ واندفاع، رغم جهلها أحيانًا والتناقضات الفلسفية التي تقع بها، لكن لا بأس، عندما كنت في عمرها كنت جاهلًا بكثير من الأشياء، شخص لا يقرأ كتابًا خارج الطب والقرآن.

هي تريد أن تؤمن بشدةٍ ، هكذا نحن عندما نتعرض لصدمة، عندما نخسر شخصًا، لا نريد اختفاءهم، نريد العودة والالتحاق بهم يومًا ما..للأسف لا أعرف إن كان ذلك ممكنًا…هي خسرت جدتها، أنا أعرف مقدار خسارتها، بل أعرف مقدار خسارةٍ أكبر، لقد خسرت جدي الذي ربانيّ والذي عشنا سويةً لفترة تتجاوز نصف عمري..لكن أسمعها، أسمع أساها وحزنها ، لا تقاطع أحدًا يشكي همه لك، مهما كان همّك.

لم يعجبها طعم اللبن المثلج، في الحقيقة كانت منهمكة في الكلام والتعبير عن رأيها حتى ذاب كلّ اللبن واختفى، أبتسم وأراقبها، هي تعتقد أنّي إنسان آخر، ذاته الذي يراه الآخرون أحيانًا.

نتحدث عن الله وعن الأديان والرسالات، نتحدث عن الثورات وعن الفلسفة وعن الموت والحياة، نتحدث عن الفن، عن كوخ وغوستاف..نتحدث عن ذكريات والدها، هي تعشق الحديث، وأنا أعشق الإصغاء لها.

تحدثنا مع صديقتها، صديقة مشتركة، في الواقع لا..هي صديقتها وعرفتني عليها، لم؟ لا أعلم، لكن هذه الصديقة شخص رائع، أو..لا بأس به على الإطلاق.
تمشينا في حديقةٍ خضراء، فيها ظلال..آه، نسيت أن أخبركم، لقد كان ذلك اليوم يوم الانقلاب الصيفي، أطول يوم في السنة، أحرّ يوم في هذا الشهر كما يبدو، درجة الحرارة 33. سامحك الله..
كان العرق يتصبب مننا، الماين ورطوبته في الجوار، لم نأبه للمدينة، نحن لم نأتِ من أجلها، في ذلك اليوم، كنا معًا فقط.

تناولنا اللازنيا، وشربنا عصيرًا لا أعرف اسمه، هي اختارته، فاكهة العشق؟ فاكهة الشغف؟ لكن في العربية اسمها: فاكهة الآلام..لماذا؟ لماذا نحب الآلم ونعشقه؟ ..ممم لكن..لست الأحق بالتحدث عن هذا الموضوع، أنا الأسوأ فعلًا..

كان الهواء منعشًا، جلسنا، وتحدثنا عن كتاب تقرأه هي، عن سوريا..التقطنا بعض الصور، كم أكره الفلاتر !! نحن أجمل دونها، على الأقل هي جميلة دونها.

مشينا على النهر، ننتظر قدوم قطاري، تناولنا الآيس كريم، هي اختارت النكهات، كنا متعبين، مرهقين، تقتلنا الحرارة، لكن لا بأس، فقد كنّا معًا..
تنظر إليّ وتخلع نظاراتها “أهكذا أجمل؟”
لا تسأليني هكذا أسئلة، لا تسأليني عن الأعين على الأقل، أنا أحب إطالة النظر إلى عينيك، ولكن ذلك سيعتبر وقاحة إن فعلته الآن، النظارات هي الحاجز الذي يسمح لي برؤيتك دون الضياع في عينيك.
“ارتدي النظارات مرةً أخرى! ”

وصلنا إلى المحطة، اشترينا الماء وانطلقنا إلى رصيفي.
-أنت لاتعرف كيف توّدع
– أعلم ذلك، لكني أتدرب، أعدك سأصبح أفضل

تذهب وتركب في قطارها..أصعد قطاري، أنظر إلى صورنا معًا..سيمضي الكثير من الوقت دون رؤيتها مجددًا…
أنا لا أحب اللقاءات العابرة، أكرهها، فهي تجعل الشوق أكبر ..

تبًا لها، وتبًا للمسافات، وتبًا للبن المثلج.

2 thoughts on “ست ساعاتٍ وكوب من اللبن المثلج”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.