ثلاث ساعاتٍ وكوب قهوة

“هل تستطيعين القدوم؟”
“نعم، سأكون هناك الخامسة تقريبًا”

التاسع عشر من أيار، شهري المفضل في السنة، ففيه عيد الأم، والأب، وعيدي. كان لابدّ لي من العودة إلى الغرب مجددًا، وفي الغرب يوجد لديّ بعض الأصحاب، رغم معرفتي القديمة/الحديثة بهم، إلّا أنّهم شغلوا قسمًا كبيرًا من حياتيّ مؤخرًا.

اتفقنا على الخروج معًا في العشرين من أيّار، في فيرونا، هذا يعني مزيدًا من السفر والتعب، لكنّ لا بأس، لا شيء في هذه الحياة مجانيّ.

سافرت في التاسع عشر من أيار، في سيارة مع دان وكاثرين. قال دان أن الطريق سيستغرق حوالي الخمس ساعات. لا بأس..القليل من التعب، لكنها ستكون هناك، أو كذا قالت.

الساعة الأولى كانت تعارفًا بيننا، كاثرين تدرس في فيرونا، دان ذاهب لزيارة صديقته الحميمة، والتي يزورها أو تزوره، مرةً كل ثلاثة أشهر…هل يكون البعد بهذه الطريقة مؤذيًا؟ أم هو أمر أفضل لعلاقة مثل هذه؟ لم نتناقش في هذا الموضوع أبدًا.

الساعة الثانية، المطر يهطل بغزارة في فيستارا، كاثرين تتصل وتسأل أين أصبحت، هي تخبرني أنّ القطار سينطلق بعد قليل، كاثرين تصدر بعض أصوات الشخير المزعجة، دان يبتسم.

الساعة الثالثة، انتهت علبة ريدبول، أتممت مهامي التي كان عليي أن أعملها في موقعي، مازالت هي على الطريق، دان يتكلم على الهاتف.

الساعة الرابعة: تبًا إنها تمطر بغزارة..هل سنتمكن من الخروج والاستمتاع في هذا الجو؟

الساعة الخامسة: يبدو أنني سأتأخر …أكره أن أتأخر على أحد، خاصةً إن كان قادمًا بعد سفر.

 

الساعة السادسة: تبًا، أنا متأخر، وهي تنتظرني في المحطة، أسرع وأقفز من القطار راكضًا..هي هناك، كانت مرتديةً الأزرق، مثل الطائر الأزرق..للطيور الزرقاء ثلاثة أنواع، الغربي والشرقي والطائر الجبلي، هي كانت الجبلي بينهم.

تنظر في جهازها المحمول، أقف بجوارها، وأفزعها، كالعادة.
“أين نذهب؟”
“لا أدري، أي مكان سيكون جيدًا”

IMG_20170513_202618
تأخذني الفتاة العشرينية، جارةً ورائها الحقيبة المزعجة على أرصفة فيرونا القديمة، إلى الخارج، حيث أرى الكنيسة العظيمة للمرة السابعة، مازلت أندهش كلما رأيت تلك التحفة الفنيّة، لا أستطيع أن أنظر دونما أن أحترم الجنس البشري، الذي رغم كلّ قذارته، يستطيع عمل المعجزات..على كلّ..كان لا بدّ لنا من القهوة، فكلانا سافر لمدة تتجاوز الثلاث ساعات.
جلسنا في المقهى، نشرب القهوة، ونتحدث… لا أذكر عمّا كنا نتحدث، ذُكرت العديد من المدن، ذُكرت العديد من الأسماء، كانت تبتسم وتتحدث بحماس وبعفوية وبعنفوان… روحها الجميلة كانت تخرج مع الكلمات لحنًا لا يمكن للمرء تجاهله.

عن الطب، عن الفلسفة، عن الحياة، عن كلّ شيء دار الحديث.. وصدقًا، بعد عزلةٍ لأسبوعين، فإن رؤيتها أعادت لي الحياة، ولكن يبدو أن رؤيتنا معًا أثارت غضب النادل الذي كان -كما يبدو- يود ضربنا إلا قليلًا.

نستطيع التحدث لساعات دونما أن يقتلنا الملل، لكن ربما النادل.
خرجنا سويةً وتمشينا في شوارع فيرونا، وعرضت – كوني جنتلمان..أحيانًا- حمل حقيبتها المزعجة، طبعًا لم ترفض الفتاة العشرينية، ولم تبدي أيّ ممانعة حتى… كان لا بدّ من بعض موسيقى كوهين في الخلفية

“And if you’ve got to sleep a moment on the road
I will steer for you
And if you want to work the street alone
I’ll disappear for you”

كانت تضحك، وضحكتها مازالت معي، أحتفظ بها في دفاتري الزرقاء الصغيرة، حيث أكتب ما لا يراه أحد، حتى أنا في بعض الأحيان.

طلبت مني ألا أرتدي الأقنعة، لكن هل تعرف هي ماذا يعني هذا الطلب حتى؟
لا أستطيع يا عزيزتي…الأقنعة هي سلاحي في مواجهة عينيك.

ثم كان الفراق، لا أحب الفراق أبدًا، أكرهه، أكرهه بشدة، لا أستطيع أن أخبركم بكمية كرهي للفراق، لأي فراق، لكنها نبهتني في مرة، أنني الأسوأ عندما يتعلق الأمر بالوداع..
كيف أخبرها أن الفراق لساعتين أو يومين أو سنتين لدي سواء؟ لقد ودعت أصدقاء لسفر لمدة أسبوع فحسب، وها أنا أقضي سنتي السادسة في المهجر دون أن أراهم، كيف أعرف متى أراكِ مرةً ثانيةً في هذا العالم الغريب ؟

لكن، نجحت هذه المرة، في ارتداء قناع الابتسامة الهادئة، وراقبتها تغادر، وفي مخيلتي تلعب أغنية أخرى، “المعطف الأزرق المشهور” لصديقي كوهين.

لا أعرف إن كانت تعرف ماذا يعنيه أن تجد أحدًا يفهمك، أن تجد أصدقاءً بعد أن تغيّر مكانك لعدد لا نهائي من المرات..هل تعرف يا ترى ؟

كان لقاؤنا التالي في اليوم الذي بعده…لن أتحدث عن ذلك هنا..
لكن لتلك العشرينية أقول، لقد منحتني هديتين أغلى من كلّ الكلمات والهدايا الماديّة الأخرى..

ما أحسست به في التاسع عشر والعشرين من أيار، كان كافيًا لاستمراري للأمام أسبوعًا آخر، أسبوعًا أبلغ فيه نهاية عامٍ جديد، وأقترب من الموت 365 يومًا آخرين..

أحيانًا لا نعرف تأثير كلماتنا على الآخرين، لأننا لا نعرف قيمتنا لديهم..

لكن، أنا لا أعيش للغد أبدًا، أنا أعيش ليومي، وفي التاسع عشر من أيار، لم أندم على أي ساعةٍ قضيتها في الطريق، لأقضي ثلاثًا من أفضل الساعات مع الصديقة الجديدة المفضلة لديّ..
رغم أنّها عشرينيّة
صديقتي العشرينية، بعد سنوات عديدة، سأكون ذكرى باهتةً في دفاترك، وربما لن أبقى حتى ذكرى، فوجهي كما قال لي أحدهم “سهل الضياع في الذاكرة”

الإعلانات

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.