وداعًا 2017

كان من المفترض أن تكون هذه السنة من أفضل السنوات التي مرت عليّ حتى الآن، فكثير من الأشياء تغيّرت خلالها. في بداية العام أقمت في دويسبرج، بعد أن فقدت الأمل في الحصول على تدريب طبيّ في منطقة النورد راين، أو حتى التقدم لدخول الامتحان المخيف هناك! بصراحة، يجب علينا ألا نستمع لما يقال، في النهاية هنا في ألمانيا ٩٠٪ مما يحدث معك هو حظ فقط.

في شهر آذار توجهت إلى رودزهايم، لأتدرب في مجال جراحة الطوارئ لمدة شهر كاملٍ، كانت فترةً جميلة تعاملت فيها مع أطباء سوريين هناك، بالإضافة إلى روعة المنطقة وخضارها الجميل.
في شهر أيار تقدمت بطلب تدريب في مشفى هاينراينش وهناك بدأت رحلة طويلة، امتدت أربعة أشهر قبل أن أحصل على موعد لامتحان اللغة الطبية لأستطيع بعدها بدء حياتي المهنية في مجال الطب العصبي بعد تأخر طال 3 سنوات.

للمرة الأولى منذ أربعة أعوام استطعت، بصعوبة بالغة، رؤية أمي وعائلتي مرةً أخرى، الكثير يتغير خلال أربع سنوات، لن تعرف شيئًا، ستكون وحيدًا، لكن ستكون سعيدًا لأنك في النهاية عدت إلى “المنزل”. أخوك الصغير سيكون كبيرًا، أختك التي كنت تتجادل معها طوال الوقت أصبحت الآن إنسانة جادة بل وتساعدك في حل مشاكلك..كل شيء تغيّر

تعود لوحدتك، تتمنى أن تكون مع من تحب، لكن القدر لن يسمح لك بذلك، بل تبدأ المشاكل بالانسكاب على صحنك المليء بالحلوى، ليصبح طعمه مرًا.

هل ستكون آخر ليلة هذا العام أسوأ ليلة مرة علي منذ خمس سنوات؟ وأكون للمرة الأولى منذ سفري..وحيدًا حقًا؟

ثلاثة أيام من الجنون

«هل نلتقي مجددًا؟»

سنعود إلى مدينةٍ أخرى، سنزور جميع المدن سويةً قريبًا، هذه المرة ستطول رحلتنا أيامًا ثلاثة، ركبت السيارة مع سائقي العزيز صمويل، طالب في العشرين من عمره، يدرس فن دهانة السيارات. لا تسألني ما هو، لكنه كان سعيدٍ به..وهو كذلك.
وضع تسجيلات لفرقته المفضلة، تومورو لاند، والتي تعزف موسيقى ال”تيكنو”، هذا الجيل غريب، لقد هرمنا فعلًا.

بعد أربع ساعات في السيارة، كنا ثلاثة، ضابط جيش، فتاة تزور أهلها وأنا. وصلت إلى المدينة، كنت أبحث عنها ولم أجدها، اتصلت بها كانت تركض وتخبرني أنها في نفس الرصيف الذي أتواجد عليه، لكنها كانت تكذب..كالعادة.. ومن ثم وصلت ..كنت أهددها بقبضة لأضرب بها ساعدها النحيل، لكنها فاجئتني بعناق مشتاق، عناق لم أكن أتوقعه أصلًا..

مشينا معًا في تلك المدينة الكبيرة، كانت ابتسامتها العريضة تُزيّن وجهها المشعّ فرحةً، كانت تريد أن تأخذني إلى نهر الماينز الكبير، لكننا ضعنا في الاحتفال الموسيقي هناك، موسيقى في كل مكان، طعام على كل جانب…ثم بدأت فرقة بعزف موسيقى عزيزي فرانك..جلسنا سويةً نشرب الصودا ونستمتع بالجاز في منتصف الظهر.

انطلقنا سويةً بعدها إلى مدينتها، هناك في الشمال، كنت قد أخبرت صديقًا لي أني قادم متأخرُا، مما منحني الوقت لأقضيه معها في مدينتها..مدينتها الفارغة حقًا، لكن لا بأس..

اليوم الثاني..ماربوج ليست سيئة…قليل من المناقيش والشاي وانطلقنا نتجول في تلك المدينة العريقة، لم نستطع أن نبقى سويةً…الكثير من الناس حولنا..لكن نظراتنا كانت قد كشفت الكثير…

مساءً تناولنا البيتزا، كالعادة، في مطبخ المدينة الجامعية، حيث يدرس صديقي الآخر….جو الدراسة هذا، نسيته منذ زمنٍ طويل..

قضينا يومان هناك، كثير من الأشياء حدثت..كثير من الأشياء قررت الكتابة عنها..ثم كان الاكتئاب

 

يوم العطلة دون العطلة

الاستيقاظ باكرًا عادة مميزة وجميلة، لكنّي لا أفضلها في يوم العطلة، للأسف كان عليّ الاستيقاظ باكرًا وارتداء البدلة الرسمية لحضور مؤتمر “جديد الطب العصبي” في الفندق البعيد جدًا عن بيتي (تقريبًا أحتاج 4 دقائق مشيًا لأصل إلى هناك)،  أعترف بكل صراحة، مازالت اللغة عائقًا، خصوصًا عندما يكون المتحدث من ولاية زاكسن.  كان المتحدث الأول من مركز الدوار في جامعة ينّا، وتحدّث بشكلٍ عام عن الدوار، وهو فعلًا  من أكثر الشكاوي التي يراجع بها المريض طبيب العصبية، وحسبما أذكر يحتل الدوار المرتبة الثانية بعد الصداع.
هذا الفحص العصبي من أسهل الأساليب التشخيصية في تفريق سبب الدوار، مركزي أم محيطي (سببه التهاب العصب القحفي الثامن مثلًا(

ومن ثم تلت محاضرات متعددة عن باركنسون (مرضي المفضل) والصرع (مرضي الأقل تفضيلًا) و فعلًا، كما يُقال دائمًا، أولئك الذين يفهمون ويختصون بالصرع هم من أدق الأشخاص على سطح هذه الأرض، ولا أقصد بدقة تلك الطبيّة فقط، بل بشكلٍ عام، هم فعلًا من أكثر الناس انتباهًا للتفاصيل..اطلعوا على بعض مخططات الدماغ العصبية لمعرفة ذلك!

بعد خمس ساعاتٍ من المحاضرات، تناول الحضور وجبة الغذاء، واكتفيت أنا بالسلطة، والقليل من السباجيتي…لا بأس 😅

IMG_20171118_141333.jpgبعد ذلك أمضيت ساعةً أتفقد سوق عيد الميلاد، التي لم تفتح أبوابها حتى الآن.
البارحة بدأت وأنهيت مسلسل “بيج ماوث” وهو مسلسل عن مرحلة الانتقال من الطفولة إلى المراهقة، وهو مسلسل كرتونيّ، لكنّه غير مناسب للأطفال طبعًا، مثل معظم مسلسلات نتفلكس الكرتونيّة! مضحك بعض الشيء، لكنّ لا أنصح به، تابع بيج بانج ثيوري ١١ !

وتابعت اليوم أيضًا الحلقة الجديدة من برنامج د.نضال قسوم، عن تدين وإلحاد العلماء، لمن يهمه الأمر الرابط هنا. كما قررت البدء أخيرًا بقراءة كتاب محمد حبش “تجربتي في ربح ١٠ آلاف دولار من خمسات” وهو كتاب عن العمل الحر والكسب عن طريق الإنترنت، وسأكتب مراجعة سريعةً عنه بالتأكيد بعد الانتهاء منه.

يمكنكم الاطلاع على هذا المقال الذي نُشر اليوم على منصة مرصد المستقبل، بوسطن دايناميكس المخيفة!

اليوم الثلاثون

اليوم أتمّ الشهر الأول في عملي في مشفىً يقع في مؤخرة العالم أو كما تقول صاحبة منزلي   ´am Arsche der Welt ´

وبجانب منزلي الصغير الآن، يتم افتتاح سوق عيد الميلاد، هنا سنأكل الكثير من الطعام الصحيّ قريبًأ! لم أتكلم من قبل عن هذه المدينة على ما أذكر، هنا أعيش منذ أواخر أيار، منزلي يقع في جنوب ولاية زاكسن الألمانية، وهي جزء من ألمانيا الشرقية سابقًا.  تسمى مدينتي تزفيكاو، لا أعرف أصل هذا الاسم، ولكن قد أبحث عنه لأكتب لكم عنه في مرات لاحقة. ..

درجة الحرارة البارحة كانت صفرًا مئويًا فقط لا غير، ومع ذلك كان علي ترك سريري الدافئ صباحًا في الخامسة صباحًا للتوجه إلى المشفى  وأصل هناك حوالي السادسة وخمس وأربعين  دقيقة، أبدّل ملابسي وأرتدي اللباس الأبيض. يبدأ نهارنا في المشفى في زيارة لغرف المرضى، للإطلاع على حالاتهم وتفقد جديدهم.

حتى الآن، أصبح لي أكثر من عشرة مرضى ، وهو رقم صغير لمشفىً كبير مثل المشفى الذي أعمل به. اليوم صباحًا، قبل الجولة الباكرة، مررت على غرفة مريضتي، سيدة في أواخر السبعينات من عمرها، قضت أكثر من ١٠ أيام في شعبتنا. كنت المسؤول الأول عنها، وكثيرًا ما تحدثنا عن حالتها الصحية وعن حالتي الصحيّة أيضًا! وسألتني فيما سألتني عن الدولة التي أنتمي لها، أول تخمين لها كان سلوفاكيا، ذلك لأن معظم زملائي هنا من سلوفاكيا والتشيك. أجبتها مبتسمًا ” لا أبدًا، أنا من سوريا، هل تعرفينها؟” أجابت و في صوتها حزنٍ واضح “بالطبع أعرفها، لقد كان هناك الكثير من السوريين في كيمنتس، مدينتي التي أنتمي لها”.

IMG_20171114_174617-01اليوم عندما أعطيتها التقرير الطبي النهائي الخاص بحالتها، قالت لي”هل من الممكن أن تحضر لي حقيبتي؟” أعطيتها حقيبتها السوداء الصغيرة، أمسكتها بيديها الصغيرتين، وأخرجت منها ببطء كيسًا ملونًا وأعطتني إياه، علبةً من الشوكولا ورسالة شكرٍ لللعناية التي حظيت بها هنا، وفي نهايتها كتبت

“أتمنى أن تعود لبلدك وتستطيع زيارته يومًا ما، لكن دونما حرب”

 

شعور لا يُوصف، أن تشعر أنّك خدمت إنسانًا ووفرت له بعض الراحة، لتكون كلماته وشكره لك أكثر أهمية من كل شيء آخر.